الحسكة/ مجد محمد
تبرز تجربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا كنموذج مميز للحكم المحلي يسعى لترسيخ قيم العدالة والمساواة بين مختلف مكونات المجتمع، وذلك في خضم المشهد السوري المعقد والمضطرب، فمنذ انطلاقها قبل سنوات، تمكنت هذه التجربة من أن تقدم نموذجاً عملياً للحكم اللامركزي القائم على المشاركة الشعبية، والتعددية السياسية، والتنوع الثقافي والاجتماعي، في سعيها لبناء مجتمع متماسك قادر على تجاوز آثار الحرب والصراع.
ويقول علي الفرحان، عضو حركة التغيير، “تقوم فكرة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا على مبدأ أساسي هو أن الشعب هو صاحب القرار النهائي”.
ويشرح الفرحان أن هذا المبدأ يشكل جوهر التجربة الديمقراطية في المنطقة، حيث يتيح لجميع المكونات من كرد، عرب، سريان، آشوريين وغيرهم، أن يكونوا شركاء فعليين في العملية السياسية والإدارية، ضمن نموذج تشاركي فريد يعتمد على التعاون لا التنافس، والتنوع لا الانقسام.
ويضيف أن هذا النهج التشاركي في الحكم يعكس إرادة حقيقية لبناء دولة تعددية تضمن العدالة الاجتماعية والمساواة بين جميع المكونات، بعيداً عن سياسات الإقصاء والهيمنة التي سادت لعقود، فالإدارة الذاتية لا ترى في التنوع عائقاً، بل مصدر قوة يثري التجربة السياسية والاجتماعية للمنطقة.
إدارة محلية شاملة
من أبرز السمات التي تميز الإدارة الذاتية، كما يوضح الفرحان، هي المجالس المحلية المنتشرة في المدن والبلدات، والتي تضطلع بمهمة إدارة شؤون السكان وتقديم الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والبنية التحتية.
ويقول: “هذه المجالس لا تقتصر على ممثلين من مكون واحد، بل تضم ممثلين عن مختلف الأطياف، ما يعزز مبدأ الشراكة والتعايش، ويحول الإدارة إلى عملية جماعية تشاركية”.
كما أن هذه المجالس تمثل نموذجاً مصغراً لفكرة “الديمقراطية المجتمعية”، إذ يتم فيها اتخاذ القرارات بالتوافق بين مختلف الفئات، مع مشاركة واسعة للنساء والشباب في العمل الإداري والتنفيذي.
وإلى جانب المجالس، تم تأسيس قوات أمنية محلية مهمتها حماية الاستقرار الداخلي وضمان الأمن المجتمعي. وتعمل هذه القوات بالتنسيق مع الهياكل المدنية، ما جعل المنطقة تحافظ على درجة من الاستقرار النسبي مقارنة بمناطق سورية أخرى.
ورغم النجاحات التي حققتها الإدارة الذاتية، إلا أن الطريق لم يكن خالياً من العقبات، فبحسب الفرحان، تواجه المنطقة تحديات كبيرة تهدد استقرارها واستمراريتها، من أبرزها الحصار المفروض عليها من أطراف إقليمية ودولية.
ويقول: “هذا الحصار ترك آثاراً واضحة على الوضع الاقتصادي، حيث يعاني السكان من نقص في المواد الغذائية والطبية وارتفاع في معدلات البطالة، إلى جانب صعوبة تأمين موارد الطاقة والوقود”.
ولا يقف الأمر عند التحديات الاقتصادية، إذ تتعرض المنطقة أيضاً لتهديدات أمنية مستمرة من جماعات مسلحة مرتبطة بأجندات خارجية وداخلية، تسعى لزعزعة الاستقرار وعرقلة التجربة الديمقراطية.
ورغم ذلك، تمكنت الإدارة الذاتية من الحفاظ على حدٍّ معقول من الأمن الداخلي، بفضل التنسيق بين قوات الأمن المحلية والقوى المجتمعية التي ترى في هذا النموذج مشروعاً وطنياً يجب الدفاع عنه، بحسب ما يذكر الفرحان.
يشير الفرحان إلى أن الإدارة الذاتية منذ بدايتها أولت اهتماماً خاصاً ببناء مؤسسات قوية قادرة على تلبية احتياجات السكان.
ففي قطاع التعليم، تم تأسيس مدارس تعتمد على مناهج حديثة تراعي الخصوصيات الثقافية واللغوية لمكونات المنطقة، وتركز على غرس قيم التعايش الديمقراطي والمشاركة المجتمعية في أذهان الأجيال الجديدة.
أما في قطاع الصحة، فقد تم افتتاح مراكز طبية ومستشفيات تقدم خدماتها لجميع فئات المجتمع دون تمييز، في خطوة تعكس التزام الإدارة بمبدأ المساواة في الحقوق والخدمات.
وركزت الإدارة على تطوير البنية التحتية في مجالات الكهرباء والمياه والنقل، رغم محدودية الإمكانيات نتيجة الحصار، وتم تنفيذ مشاريع تهدف إلى استثمار الموارد الطبيعية المحلية لتعزيز التنمية المستدامة، وتحسين مستوى المعيشة للسكان.
وفي حديثه عن التوجهات المستقبلية للإدارة الذاتية، يؤكد الفرحان أن المرحلة المقبلة ستشهد توجهاً نحو توسيع نطاق الحوكمة الذاتية، وتطوير مشاريع اقتصادية جديدة تساهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي.
ويضيف، “التركيز في المرحلة القادمة سيكون على تعزيز الشراكة مع المجتمع الدولي لجذب الدعم المالي والفني، وتوسيع العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار لتخفيف آثار الحصار، وفتح آفاق للتعاون الإقليمي”.
إلى جانب ذلك، تسعى الإدارة الذاتية لتقوية الحوار بين المكونات المجتمعية المختلفة، وإطلاق مبادرات تعزز ثقافة السلم الأهلي والتفاهم المتبادل، في مواجهة التوترات الإقليمية والدولية التي تحيط بالمنطقة.
ويختتم الفرحان حديثه قائلاً: “إن تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تمثل خطوة مهمة نحو بناء نموذج سياسي واجتماعي جديد في المنطقة، نموذج يقوم على المشاركة والتنوع، بعيداً عن الاستبداد والهيمنة المركزية”.
ويؤكد أن نجاح هذه التجربة لا يقتصر على كونها إدارة محلية ناجحة، بل لأنها تقدم نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه في مستقبل سوريا، إذ تعتمد على العدالة، والمساواة، والتوزيع العادل للثروات والفرص بين جميع مكونات المجتمع.