بعد عامين كاملين على الهجوم الذي نفذته حركة “حماس” على جنوب إسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ما زالت آثار الحرب التي اندلعت إثر ذلك الحدث تطبع المشهد السياسي والعسكري في المنطقة بطابع من الغموض والانقسام والدمار، في وقت يرى فيه مراقبون أن ما جرى منذ ذلك اليوم لم يغيّر فقط موازين القوى بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، بل أعاد رسم خريطة التحالفات والعداوات في الشرق الأوسط برمّته.
في تلك الصبيحة الدامية، استيقظت إسرائيل على صدمة غير مسبوقة منذ تأسيسها، حين اخترق مقاتلو حماس السياج الحدودي المحصّن واقتحموا عشرات المستوطنات القريبة من غزة، وأطلقوا آلاف الصواريخ في وقت واحد، ما أدى إلى مقتل أكثر من ألف ومئتي شخص، وخطف ما يزيد على مئتين وخمسين آخرين. بالنسبة للإسرائيليين، كان ذلك اليوم بمثابة زلزال وجودي، إذ كشفت العملية عن فشل استخباراتي وعسكري ذريع، فيما اعتبرته حماس لحظة انتقام تاريخي بعد سنوات طويلة من الحصار والاحتلال والقصف المستمر.
في غضون ساعات، أعلنت الحكومة الإسرائيلية حالة الحرب، وأطلقت واحدة من أوسع حملاتها العسكرية ضد قطاع غزة منذ قيام الدولة العبرية، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن هدف العملية هو القضاء التام على حماس واستعادة جميع الرهائن، لكن مع مرور الوقت بدا أن هذين الهدفين بعيدان المنال.
فبعد عامين من القتال المتواصل، وعلى الرغم من مقتل عدد كبير من قادة حماس وتدمير أجزاء واسعة من القطاع، لا تزال الحركة قائمة، وإن تحولت من جيش منظّم إلى شبكة حرب عصابات تعتمد على الأنفاق والخلايا الصغيرة المتنقلة، أما الرهائن، فقد أُفرج عن 148 منهم فقط ضمن صفقات تبادل محدودة، بينما لا يزال عشرات آخرون محتجزين في أماكن مجهولة، وسط تقديرات إسرائيلية بأن نحو عشرين منهم على قيد الحياة.
غزة المنكوبة والعزلة الإسرائيلية المتزايدة
الدمار الذي حلّ بقطاع غزة تجاوز كل ما شهدته المنطقة في العقود الماضية، فبحسب تقارير أممية متطابقة، قُتل أكثر من خمسة وستين ألف فلسطيني وأصيب أكثر من مئة وستين ألفاً بجروح متفاوتة، معظمهم من المدنيين والنساء والأطفال. دُمّرت نحو تسعين في المئة من المباني السكنية والبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس ومحطات المياه والكهرباء.
ويعيش أكثر من مليون وتسعمئة ألف شخص في ظروف نزوح قاسية داخل مساحة لا تتجاوز ثلاثمئة كيلومتر مربع، فيما تحذر منظمات الإغاثة الدولية من مجاعة حقيقية تضرب شمال القطاع وجنوبه، كما أدى الحصار المشدد الذي فرضته إسرائيل إلى منع دخول الإمدادات الإنسانية الأساسية، بحجة منعها من الوصول إلى مقاتلي حماس، الأمر الذي زاد من تدهور الأوضاع الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة في العصر الحديث.
ورغم إعلان الجيش الإسرائيلي أنه نجح في تصفية عدد كبير من القادة الميدانيين، بينهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار، إلا أن حماس لم تختفِ كما وعدت تل أبيب في بداية الحرب، فالحركة، التي فقدت معظم قدراتها العسكرية الثقيلة، أعادت تنظيم صفوفها في خلايا صغيرة تعتمد على الكمائن والأنفاق والطائرات المسيّرة محلية الصنع، كما استعادت حضورها في بعض المناطق التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية بعد شهور من العمليات البرية. ويرى محللون أن إسرائيل استطاعت تحقيق مكاسب تكتيكية محدودة، لكنها فشلت في تحقيق نصر استراتيجي دائم، إذ تحولت الحرب الطويلة إلى عبء سياسي واقتصادي وأخلاقي يهدد تماسكها الداخلي وعلاقاتها الخارجية على حد سواء.
الولايات المتحدة، الحليف الأبرز لإسرائيل، وجدت نفسها في موقف حرج منذ الأيام الأولى للحرب، فبينما واصلت إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك دعم إسرائيل عسكرياً وسياسياً، تصاعدت الضغوط الداخلية والدولية على واشنطن بسبب الأعداد الهائلة للضحايا المدنيين في غزة.
ومع مرور الوقت، بدأت ملامح فتور في العلاقة بين الجانبين تظهر بوضوح، خصوصاً مع اتساع نطاق الانتقادات داخل الكونغرس الأمريكي ووسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، وفي محاولة لإنهاء الحرب، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة سلام جديدة تقضي بنزع سلاح حماس والإفراج عن جميع الرهائن مقابل عفو عام ومساعدات لإعادة إعمار القطاع.
الحرب لم تقتصر على حدود غزة، بل سرعان ما تمددت إلى جبهات أخرى في المنطقة، فقد أطلق حزب الله اللبناني صواريخ على شمال إسرائيل تضامناً مع غزة، وتبعه الحوثيون في اليمن الذين هاجموا سفناً تجارية في البحر الأحمر دعماً للفلسطينيين، فيما حاولت فصائل موالية لإيران في سوريا والعراق استهداف قواعد أمريكية وإسرائيلية، ردّت إسرائيل بسلسلة من الغارات الواسعة على لبنان وسوريا وإيران، في إطار ما سمّته “حرب الظل الكبرى” ضد محور المقاومة.
وبلغت المواجهة ذروتها عندما نفذت إسرائيل غارة نوعية على الضاحية الجنوبية في بيروت أدت إلى مقتل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وعدد من كبار قادته، ما أحدث فراغاً كبيراً في البنية القيادية للحزب وأدى إلى تراجع كبير في نشاطه العسكري.
وبعد أشهر قليلة، جاءت الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد في نهاية عام 2024 لتشكل ضربة قاسية أخرى لإيران، التي فقدت أحد أهم حلفائها الإقليميين، الأمر الذي اعتبره الإسرائيليون نصراً استراتيجياً يؤكد تفوقهم العسكري في المنطقة، لكنهم وجدوا أنفسهم لاحقاً أمام واقع سياسي معقد يهدد بتقويض تلك المكاسب.
حرب بلا نهاية وذاكرة مفتوحة على الجرح
في الوقت ذاته، بدأت الاتهامات الدولية ضد إسرائيل تتصاعد بوتيرة غير مسبوقة، فقد رُفعت عشرات الدعاوى أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية تتهم الجيش الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية بحق المدنيين في غزة.
وتقدمت جنوب إفريقيا في كانون الأول/ديسمبر 2023 بدعوى رسمية تتهم إسرائيل بخرق اتفاقية منع الإبادة الجماعية، واستمرت القضية بالتفاعل حتى أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت، وهو ما أثار عاصفة سياسية غير مسبوقة في تل أبيب.
رفضت الحكومة الإسرائيلية الاعتراف بشرعية المحكمة ووصفت القرار بأنه “هجوم سياسي معادٍ”، في حين رحبت به عدة دول أوروبية ومنظمات حقوقية دولية، معتبرة أنه خطوة نحو محاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد المدنيين.
الضغوط السياسية تزامنت مع عزلة دولية متزايدة لإسرائيل، فقد أوقفت عدة دول أوروبية تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية إلى تل أبيب، بينما بدأت أصوات داخل الاتحاد الأوروبي تطالب بتعليق اتفاقية الشراكة الاقتصادية مع إسرائيل، وهو ما كان يعدّ حتى وقت قريب أمراً غير قابل للنقاش.
كما شهد العامان الماضيان تحولات دبلوماسية كبيرة تمثلت في اعتراف أكثر من عشرين دولة جديدة بدولة فلسطين، من بينها فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا وإسبانيا، لترتفع بذلك حصيلة الدول التي تعترف رسمياً بفلسطين إلى أكثر من مئة وسبع وخمسين دولة، ووصف نتنياهو هذه الخطوات بأنها مكافأة للإرهاب، غير أن محللين رأوا فيها تحولاً جوهرياً في المزاج الدولي الذي بدأ يميل نحو تحميل إسرائيل مسؤولية استمرار الصراع.
على المستوى الداخلي، تعاني إسرائيل من انقسامات غير مسبوقة منذ تأسيسها، فالحرب الطويلة أضعفت الاقتصاد بشكل حاد، وأدت إلى انكماش الناتج المحلي وارتفاع نسب البطالة والتضخم، إضافة إلى أزمة سياسية مستمرة داخل الحكومة الائتلافية التي يقودها نتنياهو، حيث تصاعدت الخلافات بين اليمين المتطرف والتيارات المعتدلة بشأن إدارة الحرب ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين.
عشرات الآلاف من الإسرائيليين خرجوا في تظاهرات أسبوعية تطالب بوقف القتال والتوصل إلى صفقة تبادل جديدة تعيد الرهائن المتبقين، استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى أن أكثر من سبعين في المئة من الإسرائيليين يؤيدون وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات، في حين يصرّ التيار اليميني المتشدد على مواصلة الحرب حتى “القضاء الكامل على الإرهاب”، ما يعكس حالة استقطاب حادة تهدد استقرار المجتمع الإسرائيلي نفسه.
في المقابل، يعيش الفلسطينيون في غزة واقعاً يختزل كل معاني المأساة. فالحرب لم تترك مكاناً آمناً داخل القطاع، والناجون يعيشون بين الركام في مخيمات مكتظة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، مشاهد الأطفال الذين يبحثون بين الأنقاض عن بقايا منازلهم أصبحت صورة يومية متكررة، فيما تحولت المستشفيات الميدانية إلى أماكن للعجز أكثر منها للعلاج.
ومع تدهور الوضع الصحي وانتشار الأوبئة ونقص الأدوية، حذرت منظمة الصحة العالمية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، قائلة إن غزة لم تعد مكاناً صالحاً للحياة. في ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات الدولية لإنهاء الحصار وفتح ممرات إنسانية دائمة، غير أن إسرائيل لا تزال تربط أي تخفيف للحصار بتنازلات أمنية من حماس، وهو ما يعرقل كل المساعي لإغاثة المدنيين.
ومع كل ذلك، يبدو أن السابع من أكتوبر لم يكن مجرد يوم في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل نقطة تحول مفصلية غيّرت وجه المنطقة إلى الأبد، فبعد عامين من الدم والدمار، لم تحقق إسرائيل نصراً حاسماً، ولم تُهزم حماس بالكامل، فيما دفع المدنيون الثمن الأكبر من حياتهم ومستقبلهم.
المشهد الإقليمي اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى، والعالم يراقب بقلق منطقة تغلي تحت رماد حرب لم تضع أوزارها بعد. وبين حسابات القوة واعتبارات العدالة، يظل السؤال معلقاً: هل يمكن لسلام حقيقي أن يولد من تحت ركام غزة؟ أم أن الصراع سيتحول إلى دوامة أبدية من الانتقام والخوف والدماء؟
ما بات مؤكداً هو أن الشرق الأوسط لم يعد كما كان قبل ذلك اليوم، فموازين القوى تبدلت، والتحالفات أعيد رسمها، وصورة إسرائيل في الوعي العالمي أصابها تصدّع عميق. في المقابل، أصبح الفلسطينيون رمزاً لصمود لا ينكسر رغم كل ما حلّ بهم. وبينهما، يقف العالم عاجزاً عن كبح آلة الحرب التي حوّلت غزة إلى شاهد أبدي على مأساة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.