كان أيلول يوماً بوابة للفرح والاستعداد في الذاكرة الجمعية للسوريين، لكنه اليوم تحول إلى محطة قاسية تختزل فيها العائلات أحلامها البسيطة أمام واقع اقتصادي وأمني بالغ القسوة. هذا التقرير يرصد تحولات هذا الشهر من خلال قصص من ثلاث مدن سورية.
في حي الميدان الدمشقي العريق، حيث كانت رائحة “دبس البندورة” تعبق في الأزقة كل عام مع مطلع أيلول، تجلس أم عبد الله (67 عاماً) تحاول بضع كيلوغرامات من البندورة التي اشترتها بأثمان باهظة. تقول بحسرة: “كنا نساوي بالشتاء عشرين تنكة دبس، هالسنة ربما نعمل تنكتين. السعر صار خيالي، وكيلو البندورة صار بثمن كيلو اللحمة سابقاً”.
وتضيف وهي تمسك كيساً بلاستيكياً فيه حفنة من الجوز: “هذا كل ما وسعنا عليه، بدل خمسة كيلو جوز للمكدوس، صار نصف كيلو للزينة. المونة صارت للضرورة لا للعادة”.
في سوق الحريقة الشعبي، يحاول أبو محمد (45 عاماً) بيع كميات محدودة من المكدوس الجاهز. يقول: “الناس صارت تفضل تشتري كيلو أو كيلوين بدل ما تعمل مونة كاملة. الكلفة صارت خيالية، سعر 10 كيلو مكدوس صار يعادل راتب موظف كامل”.
لم تعد رائحة الحطب المعتق تملأ أجواء أحياء حمص مع بداية أيلول كما في السابق. فاطمة، أم لثلاثة أطفال من حي الوعر، تصف الواقع المرير: “الشتاء الجاي رح يكون أصعب من كل شي. الحطب صار سعره خيالي، والمازوت نحلم فيه”.
وتضيف: “أولادي الصغار يخافون من البرد، وأنا أخاف عليهم من الدخان إذا اضطررنا نحرق البلاستيك. لكن شو بدنا نعمل؟ المازوت لتره بصار بأكثر من راتب يوم كامل من شغل زوجي”.
في ريف حمص الشمالي، يحاول المزارع أبو خالد (55 عاماً) إنقاذ ما تبقى من محصول بستانه المتضرر من الجفاف. يقول بحسرة: “الأرض صارت عاقراً، المطر هجرنا والآبار جفت. ما فيشي بندورة ولا فليفلة ولا حتى زيتون. أولادي صاروا يستهزئون بي عندما أحكي لهم كيف كنا نخزن ستين كيلو مكدوس للشتاء”.
من مدينة النواعير، حيث تدور كزمن لم يعد يماثل ما عهدناه، تروي أم علي (39 عاماً) معاناة التحضير للعام الدراسي: “صار أيلول شهر رعب بدل شهر فرح. مصاريف المدارس صارت تعادل راتب ثلاثة أشهر. قرطاسية، كتب، لباس موحد… كل شي صار كماليات”.
وتضيف: “صارت الأمهات تتبادل الدفاتر المستعملة وتعيد تدوير الكتب. حتى الأقلام صار الأولاد يشاركونها. التعليم صار رفاهية والعائلة مجبرة تختار بين دفء الشتاء وتعليم الأولاد”.
في أسواق حماة، يشهد تجار المواد الغذائية تراجعاً حاداً في المبيعات. يقول التاجر أبو زياد (50 عاماً): “الناس صارت تشتري بالغرامات بدل الكيلوات. حتى المواد الأساسية مثل الرز والسكر صاروا يشتروها بالكيلو الواحد بدل الشوال”.
بحسب تقديرات اقتصاديين، فإن متوسط تكلفة التحضير للشتاء لأسرة مكونة من خمسة أفراد يتجاوز 5 مليون ليرة سورية، بما يشمل المونة والتدفئة والمستلزمات الدراسية، في حين أن متوسط الدخل الشهري لا يتجاوز مليون ليرة للغالبية العظمى من الأسر.
ويوضح الدكتور معن الحسين، الخبير الاقتصادي: “أيلول كان يمثل موسم الدوران الاقتصادي في سوريا، حيث يتحرك القطاع الزراعي والتجاري والتعليمي بشكل متزامن. اليوم تحول إلى شهر الإفقار الجماعي، حيث تضطر الأسر لاختيار بين أساسيات الحياة”.
رغم القسوة الظاهرة، إلا أن روح المبادرة المجتمعية تظهر في العديد من المناطق. في ريف دمشق، تنظم مجموعة من النساء جلسات “مونة جماعية” حيث يجمعن مواردهن المحدودة لتحضير كميات بسيطة توزع على الأسر الأكثر حاجة.
تقود إحدى هذه المبادرات السيدة فاطمة من دوما: “بدل ما كل وحدة تعمل مونة قليلة، صرنا نجمع المواد ونعمل مونة جماعية. هيك نوفر في الكلفة ونضمن أن كل عائلة يكون عندها شيء بسيط للشتاء”.
في حمص، أطلق شباب مبادرة “دفايتنا” لجمع تبرعات لشراء الحطب للأسر غير القادرة. يقول أحد المنظمين: “حاولنا نكون بسد جزء بسيط من الأزمة. الوضع صعب جداً، لكن ما بدنا نستسلم”.
مع استمرار تدهور القيمة الشرائية لليرة السورية، وتراجع الخدمات الأساسية، وندرة فرص العمل، يبدو مستقبل التقاليد الشتوية في سوريا مجهولاً. فطقوس كانت تمثل هوية وذاكرة جماعية تتحول إلى ذكريات يرويها الكبار للصغار.
الأستاذ الجامعي الدكتور نزار قاسم يرى أن “هذه التحولات ليست اقتصادية فقط، بل هي تغيير في النسيج الاجتماعي والثقافي السوري. المونة لم تكن مجرد حفظ طعام، بل كانت طقساً اجتماعياً يعزز أواصر القربى والتعاون”.
ويختم بالقول: “الخطر الحقيقي ليس في اختفاء المونة المادية، بل في اختفاء قيم التكافل والتعاون التي كانت تمثلها”.
أيلول السوري هذا العام لا يشبه أي أيلول مضى. إنه شهر يختبر قدرة السوريين على الصمود، ويطرح أسئلة مصيرية عن مستقبل بلد كان يوماً يعتبر من أكثر دول المنطقة اكتفاءً ذاتياً. الشتاء قادم، والناس بين مطرقة البرد وسندان الفاقة، في انتظار غدٍ أفضل قد يأتي، أو قد لا يأتي.