دمشق/ مرجاة إسماعيل
في محلات دمشق المزدحمة والأسواق الضيقة في حماة وبين بساتين حمص، تتحرك حياة ملايين عائلات سوريا بفضل حوالات تصلهم من أقاربها في المهجر. هذه الحوالات ليست مجرد تحويلات مالية؛ بالنسبة لكثيرين هي القدرة على شراء رغيف خبز، دفع رسووم مدرسة، أو إعادة فتح محل صغير تعطّل سنوات الحرب.
في سوقٍ شعبي قرب باب شرقي بدمشق، تجلس (مريم) أمام محلّها الصغير لبيع الأقمشة. تقول إن حوالةً شهرية من شقيقها في ألمانيا تعادل الآن فرق حياة: «قبلها كنت أترك البضاعة لتمرّ أسابع الأيام، أما الآن فأدفع إيجار المحل وأشتري كمية قطن تكفيني أسبوعين». تشرح مريم أن الحوالات غالباً تصل عبر وسطاء محليين أو شركات تحويل تعمل بخطوط رسمية متقطعة، وأن التقلبات الحادة في سعر الصرف تجعل قيمة الحوالة تتغير من يوم لآخر. هذا الاعتماد على أعمال الأقارب في الخارج يتكرر في أوساط كثيرة من سكان العاصمة الذين فقدوا مواردهم أو وظائفهم خلال السنوات الماضية.
في حماة، حيث عادت إلى المدينة بعض مظاهر الحياة الطبيعية، تروي سيدة تدعى (أم ياسر) كيف أن حوالة تصلها من ابنتها المهاجرة في لبنان سمحت لها بتسجيل حفيدها في روضة ودفع علاج أسنانٍ مؤجل: «لم أتخيل أن رسالة صغيرة بشفرة رقمية أو رسالة مصرفية يمكن أن تفرّق هذه الفرق في شهر، لكن هذا ما يحدث الآن». مع ذلك، تقول أم ياسر إن شبكة التحويلات غير مستقرة أحياناً، خصوصاً عندما تتداخل إجراءات البنوك أو تتقلص خدمات الحوالات الرسمية — وهو ما يدفع الكثيرين إلى الاعتماد على قنوات غير رسمية مثل الحوالات عبر “الحوالة” (الهواية) أو سماسرة محليين.
وفي ريف حمص، حيث يحاول مزارعون استعادة موسم زراعي شبه مفقود، يروي مزارع يُدعى (سليمان) قصته: «الحوالة التي أرسلتها أختي من تركيا دفعت ثمن البذور والأسمدة، وإلا لما زرعنا هذا الموسم». يضيف سليمان أن تعافي الإنتاج مرتبط بقدرة الفلاحين على الوصول إلى مدخلات زراعية بأسعار معقولة، وأن الحوالات تعمل ككسر للجمود الاقتصادي على مستوى الأسرة والمجتمع المحلي. لكن هشاشة البنية المصرفية وغياب قنوات رسمية موثوقة تعني أن هذه المساهمات معرضة للمخاطر.
الرقم الدولي يشرح الأثر: دراسات البنك الدولي وأخرى متعددة تظهر أن التحويلات الخارجية كانت عاملاً محورياً في التخفيف من معدلات الفقر لدى السوريين، وهي مرتبطة بانخفاض ملحوظ في معدلات الفقر بين الأسر المتلقية. لكنّها في الوقت نفسه تخلق اعتماداً اقتصادياً يجعل الأسر عرضة لتقلبات الخارج وسعر الصرف. هذا ما يشرح لماذا يصف باحثون الحوالات بأنها «حبل نجاة» لكنه حبل هش.
خلال الأشهر الماضية تغيرت معالم المشهد المالي الدولي بالنسبة إلى سوريا: تخفيف قيود وعقوبات من قبل جهات دولية وتسهيلات سمحت بتمرير حوالات شخصية وغير تجارية دفعت بعض المنظمات والخبراء إلى القول إن فتح قنوات قانونية للحوالات يمكن أن يحسّن وصول النقد ويخفض الاعتماد على السوق السوداء. على سبيل المثال، بعض التراخيص العامة الصادرة عن جهات رقابية أمريكية وأوروبية سمحت بمرونة أكبر في تحويل الأموال الشخصية إلى داخل البلاد. هذا الانفتاح القانوني يرافقه نقاش واسع حول إمكانية إعادة ربط سوريا بأنظمة عالمية كالسويفت وعودة البنوك إلى دورة طبيعية — خطوات قد تقلل فروق سعر الصرف وتسهّل وصول الحوالات.
مع ذلك، لا تختفي المشاكل بسهولة: السوق المحلية ما تزال تعاني من تقلب حاد في سعر الصرف والتضخّم ونقص سيولة بالعملات الأجنبية. تقارير عملية وحولية رصدت محاولات لإصلاح العملة وعمليات إعادة تقييم أو تهيئة نظام نقدي جديد تتحدث عن نية لإجراءات من شأنها إعادة تسعير الليرة، لكن تنفيذها يبقى محفوفاً بالمخاطر وسيصاحبه اضطراب قصير المدى. في هذه الأجواء، تظل الحوالات الفردية وسيلة سريعة لوصول السيولة إلى الأسر، لكنها لا تغني عن سياسات اقتصادية داعمة للبنى التحتية وسلاسل الإمداد.
تتعدد الآليات: بعض العائلات تفضل القنوات الرسمية لأن تحويلها يوفر وصولاً أسرع إلى حسابات بنكية أو تحويلاً مباشراً إلى فروع محلية؛ أخرى تفضل «الهواية» لأنها أسرع وأرخص أحياناً وتعمل عبر شبكات من المطلوبين محلياً. المنظمات الإنسانية تدعو إلى توسيع قنوات التحويل الرسمية لتقليل مخاطر الاستغلال وتحسين الشفافية، بينما يؤكد مؤيدو التسهيلات أن أي سياسة جديدة يجب أن تراعي حماية التحويلات الشخصية من أي رقابة سياسية أو عقوبات مستقبلية.
في النهاية، الحوالات الخارجية ليست حلّاً طويل الأمد لأزمة بنيوية تمر بها سوريا، لكنها اليوم تمثل شريان حياة ماديًّا وديموغرافيًا لكثير من الأسر في دمشق وحماة وحمص. تحسين الوصول إلى قنوات رسمية، استقرار سعر الصرف، وإعادة بناء شبكة بنكية قادرة على العمل مع المجتمع الدولي يمكن أن يحوّل هذا الشريان إلى ركيزة أكثر أمناً للنهوض الاقتصادي. إلى حين ذلك، تبقى رسائل الشكر والرموز الرقمية التي تصل عبر الهواتف والبنوك بمثابة فرق بين صبر ليلة وآمال صباح جديد لدى آلاف الأسر السورية.