دمشق/ مرجانة إسماعيل
في بساتين ريف دمشق التي لا تزال تحمل ندوب سنوات الحرب، يتنفس المزارعون هذا العام هواءً مختلفاً، هواءً مشبعاً برائحة التفاح الناضج وبذرة أمل متواضعة. بينما تتجه الأنظار نحو محافظة ريف دمشق التي سجلت ارتفاعاً قياسياً في الإنتاج بنسبة ٧٩.٤٪، تعيش بساتين الريف الدمشقي واقعاً مشابهاً في القلب، وإن اختلفت في التفاصيل. هذا التقرير لا يقتصر على الأرقام، بل ينطلق من قصص المزارعين أنفسهم، ليحكي قصة موسم واعد يواجه التحدي الأبدي: كيف تحصد ثماراً جميلة في بلد تعب من الجري.
يجلس أبو علي (65 عاماً) على كرسيه البلاستيكي تحت ظل شجرة تفاحه، يمسك بيده ثمرة حمراء مخططة باللون الأصفر، “ستاركنغ” كما يقول بنبرة فيها فخر. عيناه تتجولان بين الأغصان المثقلة بالثمار، وهي صورة لم يعتدها منذ أكثر من عقد. “آخر مرة رأيت فيها الشجرة بهذا الجمال كانت قبل الأزمة، ربما عام 2010″، يتذكر أبو علي.
قصة أبو علي مع بستانه الذي ورثه عن أبيه هي قصة الزراعة في سوريا مصغرة. خلال سنوات الحرب، تحول بستانه إلى خط تماس، جفت بعض أشجاره، وأخرى احترقت. لكنه أصر على العودة كل ربيع، يزرع شتلة جديدة مكان كل شجرة ميتة. هذا العام، كانت مفاجأته كبيرة. “التكاليف انخفضت، خاصة المبيدات. كنت أشتري علبة المبيد بـ 150 ألف ليرة، واليوم بأربعين ألفاً. هذا فرق كبير لرجل مثلي”. يتراوح سعر كيلو التفاح “الأحمر الأميركي” الذي ينتجه بين 8 و12 ألف ليرة، وهو سعر جيد كما يصفه، لكن قلقه لا ينتهي عند مرحلة القطاف.
على بعد كيلومترات قليلة، تحاول سناء (35 عاماً)، وهي مهندسة زراعية تخرجت حديثاً وقررت أن تعيد إحياء مزرعة عائلتها، أن تواجه التحدي من بوابة التقنية. بدلاً من انتظار التاجر الذي قد يأتي أو لا يأتي، بدأت سناء بتصوير منتوجها عبر هاتفها المحمول، وتنشر صوراً على منصات التواصل الاجتماعي. “الناس في دمشق يبحثون عن تفاح طازج وبسعر معقول. أنا أؤمن لهم ذلك، لكن التحدي الحقيقي هو النقل والوقود”.
قصتها تلامس جوهر الأزمة: “ضعف الحركة التسويقية”. تشرح سناء: “الأسواق الخارجية مغلقة تقريباً، والأسواق الداخلية مشلولة بارتفاع كلفة النقل. أنا أبيع مباشرة للمستهلك، لكن هذا لا يكفي لتصريف كل الكمية. نحتاج لفتح أسواق في المحافظات الأخرى، لكن من يتحمل كلفة نقل الشاحنة التي قد تصل إلى مليوني ليرة من ريف دمشق إلى حلب؟”.
من مكتبه في اتحاد الفلاحين، يحاول المهندس حسن أن يكون جسراً بين أمل المزارعين وقسوة الواقع. أثناء جولته في بساتين عدرا، يشير إلى الأشجار المثمرة: “المساحات هنا أقل، لكن النسبة التي ارتفع بها الإنتاج مذهلة ومشجعة. الأشجار تعافت، والطبيعة كانت كريمة”.
لكنه سرعان ما يعود إلى همّه الرئيسي: “الإنتاجية العالية نعمة ونقمة. إذا لم نجد منافذ تسويقية، سيتحول هذا المحصول الجميل إلى خسارة فادحة للمزارع”. يؤكد أن الاتحاد “يعمل على فتح قنوات مع تجار من داخل المحافظات، ونحاول التنسيق لإنشاء منصات بيع مباشر على طريق المطار، حيث يكون الحركة التجارية أفضل”. ويضيف مطالبته التي تتفق مع ما نادى به مزارعو ريف دمشق: “نطالب بتأمين عبوات بلاستيكية بديلة للفلين الذي أصبح نادراً وغالياً، وإلغاء بعض الرسوم الجمركية التي تخنق المنتج المحلي”.
في سوق الهال المركزي، حيث يفترض أن يكون قلب الحركة الاقتصادية، تبدو الصورة أكثر قتامة. أبو محمد، تاجر فواكه منذ أربعين عاماً، يتحدث بمرارة: “التفاح هذا العام رائع، لكن الناس مشغولون بتأمين قوت يومهم. الشراء تراجع حتى مع جودة المنتج”. ويشير إلى مشكلة أخرى: “حسم الـ 3% المفروض في السوق يثقل كاهلنا، وهو عائق آخر أمام تسهيل العملية”.
هنا تتحول نعمة الموسم الجيد إلى همّ كبير. المزارع الذي أنفق على أرضه طوال العام، يجد نفسه مضطراً لبيع منتجه بأقل من سعر التكلفة في بعض الأحيان، خوفاً من تلفه. ثمار التفاح التي يمكن أن تنافس في جودتها المستورد، تتراكم في المستودعات بسبب ضعف القوة الشرائية وانهيار خطوط التسويق التقليدية.
عند مغادرة البستان، يقدم أبو علي كيساً من التفاح هدية. ثمار حمراء لامعة، هي نتاج عام كامل من العمل والشغف. الرائحة حلوة، لكن طعمها يمتزج بمرارة الواقع. ارتفاع إنتاج التفاح في سوريا، في ريف دمشق، هو نبأ سار، وشهادة على صمود المزارع السوري الذي يرفض الاستسلام.
ومع ذلك، فإن هذه الزيادة تضع المسؤولية على عاتق الجهات المعنية أكثر من أي وقت مضى. النجاح الحقيقي لا يقاس بكمية المحصول المُنتَج، بل بقدرة هذا المحصول على الوصول إلى مائدة المواطن السوري أولاً، وإلى الأسواق الخارجية ثانياً، بشكل يحفظ حق المزارع ويضمن استمراره. القصة هنا ليست فقط عن تفاح يملأ البساتين، بل عن أمل يحتاج إلى من يصونه قبل أن يذبل على الأغصان. مستقبل الزراعة في سوريا يعتمد على تحويل هذه النعمة الموسمية إلى دعامة حقيقية للاقتصاد، وذلك لن يتحقق إلا بمعالجة أزمة التسويق التي تهدد بتحويل الفرحة إلى خيبة أمل جديدة.