السوري ـ الرقة
يشكّل التمكين الاقتصادي للمرأة اليوم قضية مركزية في مسار التنمية، إذ لم يعد مجرد شعار مرتبط بحقوقها، بل أصبح ركيزة أساسية لضمان استقرار الأسر وازدهار المجتمعات. فالمرأة التي تمتلك فرصاً حقيقية للعمل والإنتاج، تساهم بفعالية في الاقتصاد الوطني، وتؤسس في الوقت نفسه لأسرة أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة.
فالتمكين الاقتصادي يعني أولاً فتح المجال أمام المرأة للوصول إلى فرص عمل لائقة، أو دعمها لبدء مشاريع خاصة تعكس طموحاتها وإمكاناتها. هذه المشاركة لا تقتصر على تحسين دخل الأسرة فحسب، بل تعني أيضاً تعزيز ثقة المرأة بنفسها، وزيادة قدرتها على المشاركة في صنع القرار داخل المنزل والمجتمع، وهو ما يرسّخ مفهوم الشراكة ويحد من التبعية الاقتصادية.
وقد أثبتت الدراسات أن الأسر التي تنخرط فيها النساء بالعمل تكون أكثر استقراراً وأفضل قدرة على الاستثمار في تعليم الأبناء وصحتهم. فحين تتحسن موارد الأسرة بفضل عمل الأم، تتراجع نسب التسرب المدرسي، ويزداد الاهتمام بالتعليم العالي، كما تتحسن الرعاية الصحية والغذائية. وبذلك يصبح تمكين المرأة اقتصادياً استثماراً في الأجيال القادمة، وليس في حاضر الأسرة فقط.
أما على المستوى المجتمعي، فإن توسيع قاعدة مشاركة النساء في سوق العمل يفتح آفاقاً جديدة للتنمية. فالمرأة بطبيعتها تحمل رؤى مختلفة وقدرات تنظيمية وإبداعية متجددة، تضيف قيمة مميزة إلى مختلف القطاعات الاقتصادية. كما أن إدماج النساء في سوق العمل يسهم في تنويع مصادر الدخل القومي، ويخلق حالة من التوازن الاجتماعي تقلل من الفوارق وتدعم العدالة.
وفي مناطق شمال وشرق سوريا على وجه الخصوص، لعبت التنظيمات النسوية دوراً محورياً في دفع هذا التوجه قدماً، حيث عملت مؤسسات مثل مؤتمر ستار، وتجمع نساء زنوبيا، ودور المرأة على إطلاق مشاريع رائدة في مجال التمكين الاقتصادي. هذه المبادرات فتحت أمام النساء أبواباً للعمل في الحِرف اليدوية، وإدارة المشاريع الصغيرة، والزراعة التعاونية، والصناعات الغذائية، ما مكّن المئات منهن من الاعتماد على ذواتهن وبناء مشاريع مستدامة تعود بالنفع على أسرهن ومجتمعاتهن.
ولكي يصبح هذا التمكين واقعاً ملموساً، لا بد من توفير بيئة تشريعية ومؤسساتية داعمة، من خلال سنّ قوانين تكفل حقوق المرأة العاملة وتمنع أي تمييز، وإطلاق برامج تدريب وتأهيل تساعدها على اكتساب المهارات التي يتطلبها سوق العمل الحديث، إضافة إلى تسهيل وصولها إلى القروض الصغيرة والمتوسطة، ما يمنحها القدرة على إدارة مشاريعها الخاصة بمرونة واستقلالية.
إن التمكين الاقتصادي للمرأة ليس ترفاً فكرياً ولا مجرد مطلب اجتماعي، بل هو خيار استراتيجي لبناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات. فكلما مُنحت النساء الفرصة للمشاركة في العمل والإنتاج، كلما تعززت دعائم الأسرة، وارتفعت مؤشرات التنمية، واقترب المجتمع من تحقيق التوازن والاستقرار.