تقرير/ جمانة الخالد
في شوارع سوريا التي أنهكها النزاع، لم يعد صوت الرصاص يقتصر على جبهات القتال البعيدة، بل أصبح جزءاً من السمفونية اليومية للحياة. رصاصة طائشة هنا، وجريمة انتقام هناك، وطفل يسقط بينهما ضحية لواقع مرير لم يختره. المشهد لم يعد يحتمل التبسيط؛ فالسلاح لم يعد أداة حرب مؤقتة، بل تحول إلى ظاهرة مجتمعية معقدة تخترق النسيج الاجتماعي والاقتصادي والنفسي للسوريين، وتضع البلاد على حافة الهاوية.
تخيل أنك تسير في حي من أحياء دمشق أو حمص أو حماة، حيث تسمع أحياناً أصوات انفجارات بعيدة أو قريبة، لكن الأخطر هو ما لا تراه العين. في جيوب الكثيرين، مسدسات صغيرة، وفي بيوت أخرى، بنادق تختبئ خلف الأبواب، وفي الأزقة الضيقة، صفقات خفية تتم بكل سلاسة. لقد أصبح السلاح عملة متداولة، وسلعةً أساسية في السوق السوداء، ولغةً للحوار عندما تعجز الكلمات. الأرقام تتحدث عن ملايين القطع المنتشرة، وعن نسب مروعة لامتلاك الأسر للأسلحة، خاصة في المناطق الحدودية حيث يغيب القانون ويحضر الخوف.
هذه الأسلحة لم تأت من فراغ. فبعد سنوات من الصراع، تحولت سوريا إلى سوق مفتوحة للسلاح، يتدفق من مخازن النظام السابق التي نهبت بشكل منظم، ومن الدعم الخارجي للمعارضة، ومن عمليات التهريب عبر الحدود المفتوحة. لقد انهارت منظومة الأمن، وانهارت معها القدرة على ضبط هذه الكميات الهائلة. تقارير دولية تشير إلى أن سوريا قد تسير على خطى ليبيا وأفغانستان، لتصير مصدراً رئيسياً لتجارة السلاح غير المشروع في المنطقة. حوادث الضبط في لبنان والأردن تؤكد ذلك، حيث يتم ضبط أسلحة متطورة كان مقرراً أن تكون في يد النخب العسكرية فقط.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في انتشار السلاح بحد ذاته، بل في تحوله إلى أداة للهيمنة الاجتماعية والسيطرة المحلية. لقد أصبح الانتماء المسلح هو الهوية الجديدة التي تتفوق على الانتماء المهني أو التعليمي. في الأرياف والمناطق العشائرية، تحولت الخلافات البسيطة إلى مواجهات مسلحة تزهق الأرواح وتعمق الانقسامات. الشباب، اليائس من فرص العيش الكريم، يجد في حمل السلاح مصدراً للرزق أو على الأقل للحماية. وهكذا، تدور عجلة العنف في حلقة مفرغة، حيث يغذي الاقتصاد غير المشروع – من تهريب وجباية – استمرار هذه الظاهرة ويجعل من الصعب كسرها.
الآثار النفسية والاجتماعية لا تقل خطورة. لقد غرس السلاح ثقافة من الخوف والريبة بين الناس. الأطفال لم يعودوا يلعبون بحرية، والكبار يمشون في الشوارع وهم يحملون همّاً ثقيلاً وخوفاً من أي صوت مفاجئ. القلق الاجتماعي أصبح سيد الموقف، والعنف تحول إلى آلية للتفريغ عن الإحباطات المتراكمة. الباحثون يحذرون من انهيار رأس المال الاجتماعي، ومن صعوبة تحقيق أي مصالحة مجتمعية في ظل وجود هذا الكم من الأسلحة. فكيف تبني الثقة عندما يكون جارك مسلحاً وقد يكون خصمك؟
الجهود المبذولة للحد من هذه الظاهرة تواجه تحديات جمة. محاولات نزع السلاح تتعثر بسبب غياب خطة واضحة ولأن السوق السوداء تظل خياراً مربحاً للكثيرين. البرامج الأمنية وحدها غير كافية؛ فالمشكلة اقتصادية واجتماعية في الأساس. الخبراء يؤكدون أن الحل يجب أن يكون شاملاً، يجمع بين التشريعات الصارمة التي تنظم حيازة السلاح، والبرامج الاقتصادية التي توفر بدائل للشباب عن حمل السلاح، والدعم النفسي للمجتمعات التي أنهكتها الحرب.
سوريا اليوم تقف على مفترق طرق. إما أن تستمر في دوامة العنف هذه، حيث تبقى الرصاصة هي الحكم، وتتحول البلاد إلى كتلة من التوتر الدائم تهدد الاستقرار الإقليمي بأكمله، أو أن تبدأ رحلة شاقة نحو نزع السلاح وإعادة البناء. رحلة تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتعاوناً دولياً، ومشاركة مجتمعية فاعلة. لكن الوقت يمر، وكل رصاصة طائشة تطلق، وكل ضحية تسقط، تجعل هذه الرحلة أكثر صعوبة.