حاوره/ مجد محمد
أشار عبد المنعم الخلف إلى أنه بين التوازنات الدولية، وتطلعات أبناء السويداء، ومحاولات الدولة ضبط إيقاع الاستقرار، تبرز خارطة الطريق كفرصة حقيقية لكنها محفوفة بالتحديات، نجاحها مرهون بإرادة سياسية صادقة، وحوار شفاف بين الأطراف، وفهم واقعي لخصوصية الجنوب السوري.
في خضم المشهد السوري المتشابك، تبرز محافظة السويداء كمحور رئيسي في النقاشات السياسية الإقليمية والدولية حول مستقبل سوريا، خصوصاً في ظل التوترات المستمرة والانكماش الاقتصادي وتراجع الخدمات العامة، ومع تنامي الحوارات حول خارطة طريق تقود نحو الاستقرار، تتقاطع الرؤى السورية مع المبادرات الأمريكية والأردنية لإيجاد حل يضمن فض النزاع، وعودة النظام العام، وتعزيز التنمية المحلية.
وبهذا الخصوص عقدت صحيفتنا السوري حواراً مطولاً مع عبد المنعم الخلف عضو مركز الأمل للدراسات الإستراتيجية، ودار الحوار التالي:
*بداية، كيف تقيم الوضع الراهن في محافظة السويداء من الناحية السياسية والاجتماعية؟
الوضع في السويداء اليوم يمكن وصفه بالمعقد والهش في آن معاً من جهة، هناك حالة من التململ الشعبي نتيجة تردي الأوضاع المعيشية، وتراجع الخدمات العامة، وغياب الأمن المستقر، ومن جهة أخرى هناك وعي شعبي عال، وتاريخ طويل من التماسك الاجتماعي في السويداء، ما يمنحها قدرة نسبية على الصمود، لكن غياب حل سياسي شامل، واستمرار حالة “اللا سلم واللا حرب”، يعرقل أي محاولات جادة لإعادة الاستقرار الحقيقي.
*ما هي الملامح الأساسية لخارطة الطريق المطروحة لاستعادة الاستقرار في السويداء؟
خارطة الطريق تعتمد على ثلاث ركائز: أولاً، التهدئة الأمنية وضبط السلاح المنفلت ضمن توافق محلي إقليمي، وثانياً استعادة عمل المؤسسات المدنية وتقديم الخدمات العامة للمواطنين، ثالثاً إشراك المجتمع المحلي في صنع القرار عبر هياكل مدنية منتخبة، هذه الخارطة لا تأتي من فراغ، بل هي نتيجة تفاهمات دولية أولية، خصوصاً بين دمشق، عمان، وواشنطن، لكنها تحتاج إلى توافق محلي حقيقي لتنجح.
*كيف تنظر إلى الدور الأمريكي في هذه الخارطة؟ هل هو دور إيجابي أم تدخلي؟
الدور الأمريكي في السويداء، كما في مناطق أخرى، يوازن بين المصالح السياسية والرغبة في منع التوسع الإيراني، هو ليس بريئاً بالكامل، لكنه أيضاً لا يتسم بالعنف أو الاحتلال المباشر كما هو الحال في مناطق أخرى، واشنطن ترى في الجنوب السوري ساحة اختبار لتجربة استقرار مشترك مع حلفائها، خصوصاً الأردن، وتسعى لإعادة ضبط التوازن من دون صدام مباشر مع دمشق أو القوى الأخرى.
*ما دور الأردن في هذه الخارطة؟ ولماذا يهتم بالسويداء تحديداً؟
الأردن ينظر إلى السويداء باعتبارها خط تماس مباشر مع أمنه الحدودي، في السنوات الأخيرة تصاعدت عمليات تهريب المخدرات، وهو ما دفع عمان للتحرك، لذلك الأردن يضغط باتجاه تسوية تحافظ على الأمن دون السماح بانفلات الجماعات المسلحة، كما أن الأردن يتطلع إلى عودة حركة التجارة الطبيعية مع الجنوب السوري، وهو ما لن يتحقق دون استقرار حقيقي في السويداء.
*كيف تتعامل الحكومة السورية الانتقالية مع هذه المبادرات؟ وهل هناك تجاوب فعلي؟
الحكومة الانتقالية تبدي تجاوباً حذراً، فهي ترفض أي مشروع يبدو كأنه ينتقص من فرض سيطرتها، لكنها في الوقت نفسه تدرك صعوبة فرض سيطرتها الأمنية الكاملة على السويداء بالقوة، لذلك هناك نوع من القبول الضمني ببعض المبادرات، شرط أن لا تترجم إلى إدارة مستقلة أو كيان سياسي منفصل، العلاقة مع المجتمع المحلي في السويداء حساسة، وهناك رغبة بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار دون تغييرات جذرية في الهيكل الإداري.
*ما العقبات الرئيسية أمام تنفيذ خارطة الطريق؟
هناك ثلاث عقبات: أولاً، غياب الثقة بين الجهات المحلية والحكومة الانتقالية، ثانياً التدخلات الإقليمية التي قد تفشل أي تفاهم غير مرض لطرف معين، ثالثاً ضعف التمويل وعدم وجود آليات تنفيذ واضحة، خصوصاً فيما يتعلق بإعادة الخدمات الأساسية، هذه العقبات ليست مستحيلة التجاوز، لكنها تتطلب إدارة ذكية وحواراً متواصلاً.
*هل يمكن القول إن هناك توافقاً دولياً على “حيادية” السويداء أمنياً؟
إلى حد ما نعم، هناك نوع من التوافق الضمني على أن تبقى السويداء منطقة “منزوعة التصعيد”، هذا التوافق يسمح للمجتمع المحلي ببعض الهوامش، لكنه في الوقت نفسه يضعف فرص التغيير الجذري. التحدي الآن هو الحفاظ على هذا التوافق دون أن يتحول إلى جمود سياسي طويل الأمد.
*ماذا عن دور المجتمع المدني في السويداء؟ هل هو حاضر في هذا المسار؟
المجتمع المدني في السويداء نشط مقارنة ببعض المناطق الأخرى، هناك مبادرات محلية، لجان شعبية، وحتى حركات مطلبية سلمية، لكن تنقصه البنية القانونية والمؤسسية التي تمنحه دوراً رسمياً في صنع القرار، إذا أريد لخارطة الطريق أن تنجح، يجب أن يكون للمجتمع المدني دور واضح ومؤثر، لا مجرد واجهة.
*كيف يمكن ربط هذه الخارطة بخطط إعادة الإعمار والخدمات؟
إعادة الإعمار تبدأ من إعادة الخدمات الأساسية: مياه، كهرباء، صحة، وتعليم، لكن لا يمكن فصل هذه العملية عن الاستقرار السياسي والأمني، الرؤية الدولية تتحدث عن “ربط التمويل بالإصلاح”، بمعنى أن ضخ الدعم مشروط بإصلاحات في الحكم المحلي ومكافحة الفساد، السويداء مرشحا أن تكون نموذجاً تجريبياً إذا توافرت الإرادة.
*هل هناك إمكانية لتكرار نموذج الإدارة الذاتية في السويداء؟
ليس بالمعنى التنظيمي الكامل، لكن هناك تشابهات في الظروف، كلتا المنطقتين تمتلكان وعياً شعبياً ورغبة في الإدارة الذاتية المحلية، بعيداً عن المركزية الصارمة، لكن خصوصية السويداء الطائفية والاجتماعية، إضافة إلى موقعها الجغرافي، تفرض نموذجاً مختلفاً، الأهم هو أن أي نموذج يطرح، يجب أن يكون نتاج حوار داخلي لا استنساخ لتجارب أخرى.
*هل هناك مخاوف من تقسيم سوريا نتيجة هذه الطروحات؟
المخاوف مشروعة، لكنها أحياناً تستخدم كأداة تخويف أكثر من كونها واقعاً محتماً، ما يحصل في السويداء، كما في شمال وشرق سوريا، هو شكل من أشكال اللامركزية المطلوبة لإدارة التنوع، هذا لا يعني التقسيم، بل هو فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأطراف بما يضمن وحدة البلاد وحقوق مكوناتها.
*كيف ينظر أبناء السويداء إلى هذه الخارطة؟ هل هناك قبول شعبي؟
القبول الشعبي مشروط بالنتائج، الناس سئموا من الوعود دون تنفيذ، إذا شعر المواطن بتحسن في الكهرباء، التعليم، الأمن، فإن أي خارطة ستنال القبول، أما إذا ظلت المبادرات محصورة في النخب السياسية، فستقابل باللامبالاة أو حتى الرفض.
*هل تتقاطع هذه الخارطة مع الحل السياسي الشامل في سوريا؟
بالتأكيد، لا يمكن لأي حل محلي أن يستمر دون إطار سياسي وطني شامل، السويداء ليست جزيرة منفصلة، خارطة الطريق هناك قد تشكل حجر أساس لحل أوسع، أو تتحول إلى حالة استثنائية مؤقتة، الأمر يتوقف على نوايا الأطراف، وخاصة مدى استعداد دمشق للانفتاح على نماذج حكم محلية أكثر مرونة.
*ما موقف روسيا من هذه التفاهمات؟
روسيا تراقب دون تدخل مباشر، لكنها لا تعارض طالما لا يتم تجاوز الخطوط الحمراء المرتبطة بسيادة الدولة، موسكو معنية أكثر بالملفين الأمني والعسكري، وأقل اهتماماً بالخدمات أو الهياكل الإدارية المحلية، موقفها من خارطة الطريق في السويداء يمكن وصفه بـ”الحياد الإيجابي”، أي أنها تبارك أي خطوة تخفف التوتر وتحافظ على استقرار الجنوب، لكنها في الوقت ذاته ترفض أي مبادرة قد تضعف نفوذ الدولة أو تشجع على مشاريع حكم ذاتي غير منسقة مع دمشق، علاقتها مع الأردن وأمريكا في هذا السياق تتسم بالمرونة الحذرة، لأنها لا تريد فتح جبهة جديدة ولا خسارة نقاط التفاهم التي بنتها في الجنوب منذ سنوات.
*برأيك، ما هو السيناريو الأقرب للتحقق في المرحلة المقبلة بالنسبة للسويداء؟
السيناريو الأقرب هو التدرج في إعادة النظام العام والخدمات، بالتوازي مع إبقاء نوع من الإدارة المحلية غير الرسمية التي ترضي المجتمع المحلي ولا تهدد سلطة الدولة المركزية، لن نشهد تحولاً جذرياً سريعاً، بل خطوات تدريجية تبدأ بالملف الخدمي ثم الأمني، وربما تتطور لاحقاً إلى آلية تمثيل سياسي محلي أوسع، التحدي الأهم هو ضمان استمرارية هذه الخطوات دون أن تفشلها تدخلات خارجية أو تنافس داخلي على النفوذ.