لكل السوريين

القنيطرة تنزف صحياً.. معاناة الأهالي تكشف غياب الرعاية والدعم

القنيطرة/ رجاء مختار

في عمق الجنوب الغربي السوري، حيث تلتقي حدود الجولان بآثار الحرب والدمار، تكشف الحياة اليومية عن معاناة صحية تهدد وجود المجتمع بأكمله. فسكان محافظة القنيطرة، الذين تحملوا ويلات الاحتلال والتدمير، يواجهون الآن تحدياً وجودياً جديداً يتمثل في انهيار النظام الصحي وغياب أبسط مقومات الرعاية الطبية.

علي الحسن، مزارع من قرية العدنانية البعيدة عن مركز المحافظة بأكثر من أربعين كيلومتراً، يروي قصة معاناة زوجته التي تعاني من أمراض قلبية مزمنة. “في إحدى الليالي، تعرضت زوجتي لأزمة صحية حادة. حاولت الاتصال بسيارة إسعاف، لكن الرحلة كانت ستكلفني أكثر من ربع مليون ليرة، وهو مبلغ لا أملكه. اضطررت إلى نقلها بمركبتي القديمة التي تكاد تتحطم على الطرق الوعرة. الرحلة التي استغرقت ساعتين كاملتين كانت أشبه بحلم كابوس، كنت أخشى أن تلفظ أنفاسها بين يدي قبل الوصول إلى المستشفى”.

قصة علي ليست استثناء، بل هي واقع يومي يعيشه آلاف السكان في قرى المحافظة المتناثرة. فمستشفى الجولان الوحيد في مركز المحافظة، رغم جهود كوادره الطبية المتفانية، يشبه جزيرة معزولة في محيط من القرى والمناطق النائية التي تفتقر إلى أبسط الخدمات الطبية. المسافات الشاسعة، إلى جانب تردي الطرق وانهيار الاقتصاد، جعلت من الوصول إلى الرعاية الصحية رحلة محفوفة بالمخاطر والمهالك.

المراكز الصحية المنتشرة في بعض القرى لا تقدم سوى خدمات رمزية، تفتقر إلى الأدوية الأساسية والأجهزة الطبية وحتى الكوادر المؤهلة. الدكتورة سمر قاسم، التي تطوعت للعمل في أحد هذه المراكز لمدة ستة أشهر، تصف الوضع بأنه “كارثة إنسانية حقيقية”. تضيف: “كنا نعتمد على الأدوية التي يتبرع بها الأهالي، وكثيراً ما كنا نضطر لعلاج المرضى بأدوية منتهية الصلاحية لأنها كل ما نملكه. في حالات الطوارئ، كنا ننقل المرضى بسيارات الأهالي الخاصة، لأننا لا نملك حتى سيارة إسعاف واحدة”.

في مواجهة هذا الواقع المأساوي، تبرز مبادرات فردية تحاول سد بعض الثغرات. مجموعة من الشباب المتطوعين في قرية البطيحة نظمت نظاماً للطوارئ باستخدام الدراجات النارية لنقل المرضى في الحالات الحرجة. كما قام أطباء متقاعدون بفتح عيادات مجانية في منازلهم، لكن هذه الجهود تبقى قطرة في محيط من الاحتياجات الهائلة.

وفي محاولة للحد من الكارثة، أطلقت مديرية الصحة حملة توعوية تركز على الطب الوقائي، خاصة برامج التلقيح للأطفال. حيث نظمت سلسلة من الندوات في القرى النائية لتوعية الأهالي بأهمية اللقاحات، كما أعلنت عن حملة تلقيح شاملة تستهدف آلاف الأطفال في أنحاء المحافظة.

لكن هذه الجهود تبقى غير كافية في ظل غياب الدعم الدولي والتمويل الكافي. السكان يناشدون المنظمات الإنسانية والجهات الدولية للتدخل العاجل لإنشاء مستشفى ميداني في المناطق الجنوبية، وتجهيز المراكز الصحية القائمة بالأدوية والأجهزة اللازمة، وتوفير سيارات إسعاف مجهزة للتعامل مع الحالات الطارئة.

المأساة الصحية في القنيطرة ليست مجرد أزمة طبية، بل هي قضية إنسانية تمس حق الإنسان الأساسي في الحياة والعلاج. ففي هذه البقعة من سوريا، يصبح الوصول إلى مستشفى أو الحصول على دواء معركة يومية قد تخسرها الأسر الفقيرة، مما يضيف بعداً جديداً لمعنى المعاناة في مجتمع أنهكته الحرب وأفقدته أبسط مقومات العيش الكريم.

- Advertisement -

- Advertisement -