لكل السوريين

البسطات العشوائية في حمص.. معركة يومية بين الفقر والنظام

حمص/ بسام الحمد

لم يكد يمضي وقت طويل على الحملة الأخيرة التي نفذتها محافظة حمص لإزالة البسطات العشوائية من شوارع مركز المدينة، لا سيما في ساحة الساعة القديمة ومنطقة الكورنيش، حتى عادت تلك البسطات لتملأ الأرصفة وتحتل زوايا الشوارع من جديد. المشهد اليومي يكشف إصرار الباعة على البقاء في مواقعهم مهما كلفهم الأمر، في مقابل إصرار دوريات البلدية على الملاحقة والإزالة. وبين الطرفين تتشكل صورة أقرب ما تكون إلى “حرب استنزاف” مفتوحة لا يخرج منها أحد منتصراً.

هذه العودة السريعة للبسطات بعد كل حملة إزالة لا تعكس فقط محدودية أثر الإجراءات المؤقتة، بل تبرز أيضاً غياب الحلول الجذرية التي توازن بين حاجة المواطن إلى لقمة العيش وبين ضرورة الحفاظ على النظام العام والمشهد الحضري للمدينة. فالقضية ليست مجرد إشغال رصيف أو سدّ طريق، بل ترتبط بأوضاع اقتصادية واجتماعية ضاغطة لا تنفك تفرض نفسها على حياة السكان.

في حي الغوطة وسط حمص، يقف محمود العلي، بائع خضار خمسيني، بجانب بسطته الصغيرة محاطاً بكراتين الطماطم والخيار. يروي قصته بمرارة قائلاً: “كل يوم أخرج عند الفجر لأجهز بسطتي، وأبقى في حالة ترقب. نبيع طوال النهار ونحن نراقب الزاوية خوفاً من ظهور دورية البلدية. عندما يأتون نضطر للهرب وترك البضاعة وراءنا، وكثيراً ما نخسر ما نملك. لكن ماذا نفعل؟ هذا مصدر رزقي الوحيد، ولا أملك بديلاً”.

قصة أخرى يرويها شاب عشريني يُدعى سامر حيدر، يبيع الملابس المستعملة قرب شارع الحميدية. يقول: “أجبرتني البطالة على هذه المهنة. بحثت كثيراً عن عمل ولم أجد، وحتى الورشات تطلب عمالاً برواتب لا تكفي ثمن الخبز. البلدية تقول إنها خصصت لنا أماكن بعيدة في أطراف المدينة، لكن من سيأتي لشراء القميص أو البنطال إذا ابتعدنا عن مركز السوق؟ نحن نحتاج إلى مكان منظم قريب من الناس، لا مجرد حل شكلي يبعدنا عن الأنظار”.

من جانب آخر، يرى بعض أبناء حمص أن انتشار البسطات بهذا الشكل يحول المدينة إلى ما يشبه سوقاً عشوائية دائمة. رنا كنعان، موظفة حكومية، تقول: “لا أنكر أن هؤلاء الباعة بحاجة للعمل، لكن وجود البسطات أمام كل محل وعلى كل رصيف يعيق المارة ويشوّه المنظر العام. في بعض الأحيان لا تستطيع السيارات المرور بسبب التمدد العشوائي. يجب أن يكون هناك حل يضمن حقوق الطرفين”.

الجمعيات المحلية المهتمة بحقوق المستهلك دخلت على خط النقاش. حسن عوض، عضو في جمعية أهلية بحمص، يشير إلى أن المشكلة مرتبطة بجذور اقتصادية عميقة: “لا يمكن التعامل مع البسطات وكأنها قضية أمنية أو مجرد تعدٍ على الأملاك العامة. هؤلاء الناس يعبرون عن حالة بطالة واسعة وغياب فرص عمل حقيقية. إن تشريدهم ليس حلاً، بل يجب إنشاء أسواق شعبية منظمة برسوم رمزية تراعي أوضاعهم المادية، كما يحدث في بعض الدول المجاورة”.

لكن آخرين يحذرون من المخاطر الاقتصادية والصحية المرتبطة بهذه الظاهرة. ياسين الجمال، وهو تاجر مواد غذائية في سوق الناعورة، يرى أن البسطات غير المرخصة تمثل “اقتصاد ظل” يضعف السوق النظامية. ويقول: “لا توجد رقابة على الأسعار أو الجودة، وغالباً تباع المواد من دون فواتير أو مواصفات. هذا يضر بالمستهلك وبالتاجر النظامي والدولة على حد سواء. نحن لا نرفض رزق الناس، لكن يجب أن يكون ضمن إطار منظم يخضع للرقابة”.

أحد المواطنين العائدين من لبنان، ويدعى وائل الحمصي، يقترح الاستفادة من تجارب خارجية: “في بيروت مثلاً توجد أسواق شعبية منظمة تابعة للبلديات، حيث يعرض الباعة بضاعتهم في أكشاك صغيرة برسوم شهرية بسيطة. البائع يستفيد لأنه يعمل في مكان ثابت وآمن، والمدينة تستفيد لأنها تحافظ على مظهرها وتضمن الرقابة الصحية. لماذا لا نطبق شيئاً مشابهاً هنا؟”.

في المقابل، لا يرى البعض في هذه الظاهرة شيئاً جديداً. أحمد درويش، مدرس متقاعد، يقول: “منذ أكثر من عشرين عاماً ونحن نسمع الوعود بحل مشكلة البسطات، لكن لم يتحقق شيء. العلاقة بين الباعة والبلدية أصبحت مثل لعبة القط والفأر: يهربون في النهار، ويعودون في المساء. ما لم توجد رؤية حقيقية لتخصيص مساحات مناسبة وتحويلها إلى أسواق دائمة، ستظل المشكلة قائمة إلى ما لا نهاية”.

المشهد في حمص اليوم يعكس بوضوح أن إزالة البسطات من دون تقديم بدائل عملية ليس سوى حل قصير الأمد. أصحاب البسطات يعيشون بين مطرقة الحاجة وسندان الملاحقة، فيما تشدد الجهات الرسمية على مخاطر اقتصادية وصحية وقانونية تفرضها الفوضى الحالية. وبين هذا وذاك، يظل السؤال مفتوحاً: هل يمكن تحويل هذه المهن الهامشية إلى مورد منظم يضمن كرامة الباعة ويحافظ في الوقت نفسه على النظام العام للمدينة، أم أن “حرب الاستنزاف” ستبقى مستمرة بلا نهاية؟

- Advertisement -

- Advertisement -