لكل السوريين

توغل وغارات مستمرة ومفاوضات.. ماذا تريد إسرائيل في سوريا؟

تواصل القوات الإسرائيلية في سوريا تكثيف التوغلات البرية والغارات الجوية على مدار الأسابيع الأخيرة في وقت يجري الحديث عن اقتراب اتفاق أمني محتمل بين دمشق وتل أبيب برعاية أمريكية في آخر هذه العمليات توغلت دوريات إسرائيلية في ريفتي القنيطرة ودرعا، وأقامت حواجز مؤقتة.

وهذه العملية ليست منفصلة بل تأتي ضمن سلسلة تحركات مماثلة نفذت خلال الفترة الماضية في أرياف درعا والقنيطرة، إذ توغلت القوات في مناطق محددة ثم انسحبت لاحقاً ويعيش المدنيون المحليون في حالة من القلق الدائم، إذ تتواصل الانتهاكات وتبعات النزاعات السابقة وهو ما يعكس هشاشة الوضع الأمني والإنساني في المنطقة.

التوغلات الإسرائيلية لم تقتصر على التوغل البري فقط بل شملت أيضاً الغارات الجوية المتكررة غالباً على مواقع تابعة لجيش النظام السابق تحوي صواريخ باليستية أو منظومات دفاع جوي، هذه العمليات تعكس نهجًا استراتيجياً متكاملاً يجمع بين السيطرة البرية والضغط الجوي، لضمان تفوق إسرائيل العسكري وفرض التوازن الأمني الذي تراه مناسباً قبل وأثناء أي مفاوضات.

رسائل مزدوجة

التحركات الإسرائيلية الأخيرة تحمل رسائل مزدوجة الرسالة الأولى موجهة إلى الحكومة السورية الانتقالية، أي اتفاق أمني محتمل يجب أن يضمن مصالح تل أبيب بشكل صارم، خصوصاً فيما يتعلق بالوجود العسكري في المناطق الحدودية عمليات التوغل الميدانية تعتبر اختباراً لقدرة دمشق على الالتزام بمعايير أمنية محددة، وهي وسيلة لإظهار أن إسرائيل قادرة على الرد السريع في حال أي تهديد سواء كان من جماعات مسلحة محلية أو أطراف خارجية.

أما الرسالة الثانية فهي داخلية موجهة للجمهور الإسرائيلي، وهي الحفاظ على التفوق العسكري في الجنوب السوري يعد أولوية استراتيجية بغض النظر عن أي تقدم دبلوماسي في المفاوضات، ومن خلال تثبيت نقاط التفتيش وتنفيذ مداهمات مفاجئة تسعى تل أبيب لإظهار قوتها العسكرية وقدرتها على ضبط الحدود مع إرسال تحذيرات ضمنية إلى دمشق، بأن الالتزام بأي اتفاق أمني محتمل سيخضع لرقابة مشددة ومستمرة.

على الجانب السوري يرى رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع أن هذه التوغلات تشكل اختباراً لمدى التزام إسرائيل بالأمن والاستقرار وفي تصريحات إعلامية شدد على أن “سوريا تعرف كيف تحارب لكنها لم تعد ترغب في النزاع المسلح”، مضيفاً أن الهدف هو التوصل إلى اتفاق أمني مشابه لاتفاقية فض الاشتباك عام 1974، دون أن يعني ذلك تطبيع كامل للعلاقات أو الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، وأن الاتفاق يهدف إلى إعادة الوضع الأمني على الحدود إلى حالة مستقرة.

توسع إسرائيلي

وتوسعت إسرائيل منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 في عملياتها العسكرية داخل أرياف دمشق والقنيطرة ودرعا، حيث سيطرت على المنطقة العازلة بين سوريا ومرتفعات الجولان ثم شرعت في تنفيذ مداهمات متكررة في القرى الحدودية.

وتعتبر إسرائيل أي تراجع عن السيطرة تهديداً مباشراً لأمنها وتستند في ذلك إلى الاتفاقيات السابقة التي تنص على حدود المنطقة العازلة، وقيود على حركة القوات إلا أن التفسيرات المتباينة لتلك الاتفاقيات أعطت إسرائيل هامشاً للتحرك العسكري الميداني.

على الصعيد الدبلوماسي تجري المفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب بوساطة أمريكية تحت إشراف المبعوث الخاص توماس باراك، تهدف هذه المفاوضات إلى التوصل إلى اتفاق أمني يعيد الاستقرار على الحدود لكنه يواجه تحديات واضحة الجانب السوري يطالب بضمان احترام سيادته ومنع الانتهاكات المستقبلية، في حين تسعى إسرائيل لضمان التفوق العسكري والأمني وهذا ما يجعل التوتر مستمراً على الأرض حتى مع التقدم في الحوار الدبلوماسي.

من منظور استراتيجي تعكس هذه المفاوضات المستمرة مع التوغلات العسكرية الميدانية واقعاً مركباً، حيث تعتمد إسرائيل على القوة الميدانية كوسيلة ضغط بينما تعجز دمشق عن الرد، ويبدو أن أي اتفاق أمني محتمل سيكون محدوداً في نطاقه يركز على استقرار الحدود والضمانات الأمنية دون تقديم تنازلات كبيرة من الجانبين.

ضغوط على السكان

ويعيش سكان جنوب سوريا في واقع مزدوج تهديد دائم من التوغلات والضغوط العسكرية، مقابل أمل ضعيف في أن تحقق المفاوضات نتائج ملموسة قريباً، وهذه الموازنة الدقيقة بين الضغط العسكري والدبلوماسي تسلط الضوء على هشاشة الاستقرار في المنطقة حتى مع وجود جهود مشتركة من الجانب الأمريكي والإسرائيلي والسوري لضمان التوصل إلى صيغة اتفاقية.

وتعود جذور التوغلات الإسرائيلية إلى اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 بعد حرب تشرين، التي حددت المنطقة العازلة على طول مرتفعات الجولان وفرضت قيوداً على تحركات القوات ومع مرور العقود اعتمدت إسرائيل على القوة الميدانية لضمان التفوق العسكري في الجنوب، وهو النهج الذي استمر بعد سقوط نظام الأسد واستغلال الفترة الانتقالية للسيطرة على المواقع الاستراتيجية.

في ضوء هذه المعطيات يبدو أن المشهد في جنوب سوريا سيظل متقلباً، ويجمع بين المفاوضات السياسية والضغط العسكري مع تأثيرات مباشرة على المدنيين والأمن الإقليمي، استمرار التوغل الإسرائيلي يوضح أن القوة الميدانية ستظل العامل الحاسم في أي عملية تفاوضية وأن أي اتفاق أمني مهما اقترب توقيعه سيظل مرتبطاً بقدرة إسرائيل على فرض السيطرة الميدانية وضمان الالتزام.

- Advertisement -

- Advertisement -