لكل السوريين

تركيا في سوريا… كيف أعاقت أنقرة الثورة وفرضت وصايتها على القرار الوطني

منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، تحوّلت تركيا إلى أحد أبرز اللاعبين الإقليميين المؤثرين في مسار الأحداث، لم يكن التدخل التركي عابراً أو محدوداً بل شكّل جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد هدفها السيطرة على القرار السوري وتوجيهه بما يخدم مصالح أنقرة.

ومع مرور السنوات، بدا واضحاً أن أنقرة لم تكن تبحث عن حل وطني للسوريين، بل عن ترسيخ نفوذها الإقليمي وقطع الطريق أمام أي مشروع قد يمنح السوريين استقلالية في القرار، وخصوصاً مشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.

برزت الحكومة السورية الانتقالية منذ تأسيسها بوصفها إحدى الأدوات السياسية التي تستخدمها أنقرة لترسيخ نفوذها داخل سوريا، فقد أشار عضو لجنة العلاقات في مجلس سوريا الديمقراطية، محمد علي درويش، إلى أن تحركات هذه الحكومة تُدار “بإيعاز تركي ضمن إطار دبلوماسي”، ما جعلها تفقد استقلاليتها وتتحول إلى أداة بيد أنقرة، مؤكداً أن المطلوب من دمشق اليوم هو الانفتاح على السوريين أنفسهم، لا الارتهان لإملاءات خارجية.

خلال خمسة عشر عاماً، جرب السوريون نماذج للحكم الذاتي، كان أبرزها تجربة الإدارة الذاتية التي مثّلت نموذجاً وطنياً تعددياً يضمن مشاركة كل المكونات، لكن الحكومة المؤقتة، بحسب درويش، ظلت أسيرة أجندات دينية ضيقة ومرتهنة لتركيا، وهو ما أضعف مصداقيتها وأفقدها القدرة على تمثيل السوريين.

خوف أنقرة من الإدارة الذاتية

يؤكد درويش أن تركيا تخشى من نجاح مشروع الإدارة الذاتية لأنه يقدم نموذجاً ديمقراطياً يمكن أن يلهم السوريين ويشكّل أساساً لحل وطني شامل، وأن هذا المشروع الذي يشارك فيه الكرد والعرب والسريان والآشوريون، يمثل تهديداً لأنقرة التي تنظر بعين الريبة إلى أي تجربة حكم ذاتي مرتبطة بالكرد.

ولذلك تسعى تركيا لتصدير أزمتها الداخلية مع الأكراد إلى الخارج عبر التدخل في سوريا، محاولةً منع أي صيغة حكم قد تُعيد طرح القضية الكردية داخل حدودها.

ومن أبرز الأمثلة على التدخل التركي المباشر، تعطيل اتفاق 10 آذار الموقع بين الجنرال مظلوم عبدي ورئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع، فقد أكد الناطق الرسمي باسم حزب الحداثة والديمقراطية في سوريا، محمد رمضان العبود، أن الاتفاق ظل معطلاً لأكثر من خمسة أشهر بسبب رفض أنقرة تنفيذ بنوده.

وأوضح العبود أن تركيا تسعى لعرقلة أي تقارب سوري–سوري لأنه يهدد نفوذها المباشر، مضيفاً أن الحكومة الانتقالية لم تكن سوى ثمرة دفع مباشر من أنقرة، وأن تبعيتها للقرار التركي تمنع أي تقدم نحو دولة ديمقراطية تعددية. وأكد أن تعطيل اتفاق 10 آذار ليس سوى جزء من سياسة ممنهجة هدفها إبقاء الوضع السوري في حالة جمود، ومنع أي توافق وطني يضع حداً للأزمة.

دعوة لوحدة الصف

من جانبه، دعا القيادي في حزب اليسار الكردي، عثمان بوزان، إلى تعزيز الوعي الشعبي لمواجهة محاولات تركيا لجر المنطقة نحو صراعات جديدة، مؤكداً أن الشعب السوري بات أكثر إدراكاً لمصالحه الوطنية، وأن الحل لن يأتي من الخارج بل من خلال الحوار السوري–السوري، وأن أنقرة تعمل على تكريس الحروب والفوضى، في وقت تتطلع فيه غالبية السوريين إلى السلم الأهلي والاستقرار.

ولم يقتصر التدخل التركي على الجانب السياسي، بل امتد إلى تدخلات عسكرية واسعة، أولاً “درع الفرات” (2016) اجتاحت تركيا مناطق جرابلس والباب بحجة محاربة “داعش”، لكن الهدف الحقيقي كان منع تواصل مناطق الإدارة الذاتية بين شرق وغرب الفرات.

وشنت تركيا عام 2018 عملية “غصن الزيتون على منطقة عفرين، وانتهى بسيطرة قواتها والفصائل الموالية لها على المدينة، ارتكاب انتهاكات وعمليات تهجير واسعة من قبل الفصائل التابعة لتركيا.

واحتلت أنقرة مدينتي رأس العين وتل أبيض بعد عملية “نبع السلام” عام 2019، ما أدى إلى نزوح أكثر من 300 ألف مدني وفق تقارير الأمم المتحدة، وسط ارتكاب آلاف الجرائم والانتهاكات بحق من حاول البقاء في أرضه.

هذه العمليات غيّرت موازين القوى في شمال سوريا، ورسّخت واقعاً جديداً قوامه الاحتلال المباشر وسيطرة الفصائل المدعومة من أنقرة على مفاصل الحياة اليومية.

بناء قواعد عسكرية وتوسيع النفوذ

تشير تقارير إلى أن تركيا أنشأت أكثر من 200 قاعدة عسكرية تضم جنوداً وأنظمة رصد واتصالات، ما يكشف نيتها في ترسيخ وجود طويل الأمد يتجاوز منطق العمليات المؤقتة.

ووثّقت منظمات حقوقية عديدة، مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، أن القوات التركية والفصائل التابعة لها ارتكبت انتهاكات واسعة في المناطق المحتلة،

وشملت الانتهاكات اختطاف مدنيين واحتجازهم تعسفياً، والاستيلاء على ممتلكات ومنازل، وفرض مناهج تركية وتغيير أسماء المدن والقرى، وملاحقة النساء والناشطين.

وهذه الانتهاكات تكشف سياسة تغيير ديمغرافي ممنهجة تهدف إلى تحويل المناطق السورية إلى امتداد مباشر للنفوذ التركي.

منذ سنوات، تروّج أنقرة لفكرة إقامة “منطقة آمنة” بعمق 30 كلم على طول الحدود. الهدف المعلن هو إبعاد الخطر الكردي، لكن الهدف الحقيقي هو فرض حزام أمني تركي طويل الأمد يغيّر الخريطة السكانية ويمنع أي تواصل جغرافي بين مناطق الإدارة الذاتية.

لا يقتصر النفوذ التركي على سوريا، بل يمتد إلى شمال العراق، حيث أنشأت أنقرة أكثر من 136 قاعدة عسكرية بحلول 2024، وزودتها بشبكات طرق تمتد مئات الكيلومترات. الهدف المعلن هو محاربة حزب العمال الكردستاني، لكن النتيجة هي تكريس احتلال طويل الأمد وتهديد لسيادة كل من العراق وسوريا.

وأدى التدخل التركي إلى، إضعاف فرص المصالحة الوطنية* عبر تعطيل أي تقارب سوري داخلي، إدامة الحرب عبر دعم فصائل مرتبطة مباشرة بأنقرة، وتأجيج الانقسامات من خلال استهداف المكون الكردي، وفرض واقع تقسيمي عبر السيطرة على أراضٍ سورية واسعة.

بعد مرور نحو عقد ونصف على انطلاق الثورة السورية، بات واضحاً أن الدور التركي لم يكن يوماً في صالح السوريين، فقد حوّلت أنقرة الأراضي السورية إلى ساحة لتصفية حساباتها الداخلية والإقليمية، وفرضت وصايتها على القرار السياسي والعسكري.

واليوم، لم يعد أمام السوريين سوى خيار الحل الوطني الداخلي، بعيداً عن الوصاية التركية أو أي تدخل خارجي، لبناء دولة ديمقراطية تعددية تحفظ حقوق جميع المكونات.

- Advertisement -

- Advertisement -