طرطوس/ اـ ن
تقع مدينة القدموس في محافظة طرطوس، ضمن السلسلة الجبلية الساحلية، على الطريق الواصل بين بانياس ومصياف، وتبعد نحو 65 كيلومتراً عن مدينة طرطوس. يحدها من الجنوب منطقة الشيخ بدر، ومن الشرق محافظة حماة. تمتد جغرافياً بشكل واسع؛ إذ تبلغ المسافة بين حدودها الجنوبية الغربية والشمالية الشرقية أكثر من 50 كيلومتراً، وبين حدودها الغربية والشرقية نحو 30 كيلومتراً. المدينة تطل على ممر بانياس – مصياف، محاطة بالسهول والجبال، وتنتشر حولها الطبيعة الساحرة التي تمنحها مشهداً خلاباً من كل الجهات. وهي مركز ناحية القدموس، التي تتبع لها إدارياً 67 بلدة وقرية ومزرعة.
مناخ القدموس معتدل صيفاً وبارد شتاءً، حيث تتساقط الثلوج بكثافة لتغطي المدينة وجبالها. تنتشر على مدرجاتها وسفوحها الأشجار المثمرة مثل التفاح واللوز والزيتون، ما يجعلها منطقة زراعية مهمة.
اسم القدموس يعود إلى الإله الفينيقي “قدموس”، وتروي الأسطورة السورية القديمة أنّه ركب البحر باحثاً عن شقيقته “أوروبا” التي اختطفها الإله زيوس، وذهب من سوريا إلى بلاد الإغريق ليصبح معلماً وينشر الأبجدية والعلم. كلمة “قدموس” تعني القديم أو الملك العظيم الضخم، فيما تشير “القدموسة” إلى الصخرة الكبيرة. في جبل القضبون القريب من البلدة، عُثر على مسلة الإله بعل البازلتية التي تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وهي محفوظة حالياً في متحف طرطوس الذي يشغل الكاتدرائية القديمة.
الأسطورة اليونانية والفينيقية عن قدموس تقول إنّه ابن أجينور ملك صور الفينيقي، وشقيق كل من فينيق وقيلكس وأوروبا. عندما خطف زيوس شقيقته أوروبا وطار بها إلى مملكته، انطلق قدموس في رحلة طويلة باحثاً عنها. وصل إلى مدينة دلفي الإغريقية وطلب من الإله أبوللو أن يدله على مكانها، فنصحه بتتبع البقرة المقدسة التي ستحدد له موقع مملكته الجديدة. توقفت البقرة في موقع أُنشئت عليه لاحقاً مدينة “كادميا”، التي عرفت باسم “طيبة”. هناك قتل قدموس الأفعى العملاقة التي كانت تحرس نبع الإله آريس، بإرشاد من ربة الحكمة أثينا التي أمرته بنزع أسنان الأفعى ونثرها، لتنمو منها لاحقاً أولى سلالات سكان طيبة.
قبل أن يصبح ملكاً، خدم قدموس الإله آريس ثمانية أعوام تعويضاً عن قتل أفعاه. وبعد المصالحة، زوجه آريس من ابنته هارمونيا ابنة أفروديت، بحفل أسطوري قدمت فيه أثينا ثوباً رائعاً للعروس، فيما أهدتها أفروديت عقداً صنعه هيفايستوس إله الحدادة. رزق الزوجان بخمس أبناء، أربع بنات وابن واحد، لكن حياة بناته انتهت بمآسٍ متلاحقة.
الأسطورة تستكمل حلقاتها بمسار درامي مأساوي ارتبط بنسل قدموس: ابنته “سيميله” أحبها زيوس فحملت منه بديونيسوس، إله الخمرة والمرح، لكن زوجته هيرا قتلتها غيرةً. أخرَج زيوس الجنين وخبأه في فخذه حتى اكتمل نموه. بقية بنات قدموس تعرضن لمصائر مأساوية: إنو ألقت بنفسها مع ابنها في البحر، وأغاوة قتلت ابنها بينتيوس في حالة جنون حرّضتها عليها طقوس ديونيسوس. حتى أحفاد قدموس مثل أوديبوس ارتبطوا لاحقاً بمصير طيبة المأساوي.
في القدموس اليوم آثار تاريخية بارزة أهمها “قلعة القدموس”، التي ترتفع نحو 1000 متر عن سطح البحر، وتبعد 30 كيلومتراً شرق بانياس و70 كيلومتراً شمال شرق طرطوس. القلعة مبنية على مرتفع صخري طبيعي معزول، تحيط بها أبنية حجرية وإسمنتية حديثة. في منتصفها بناء حجري قديم مدخله بعقد حجري يؤدي إلى قناة داخلية تقوم على ركائز حجرية سداسية، وفيها غرف بعقود حجرية وشرفات تطل على الجهات المحيطة.
كما تضم المنطقة العديد من المواقع الطبيعية والسياحية مثل جبل القضبون وقلعة الكهف والكهوف والمدافن القديمة وغابة الشعرة وجبل المولى حسن وغابة حمام واصل وغابة تلة وسد الصوراني وعين الريس وجبل النبي شيت. وتعد القدموس مركزاً مثالياً للرحلات والسياحة البيئية في الساحل السوري، بما يجمعه من طبيعة ساحرة، تاريخ عريق، وأساطير خالدة تربطها بماضي الحضارات الفينيقية والإغريقية.