لكل السوريين

مخلفات القتال تهدد حياة المدنيين بعد سنوات من الصراع في درعا

درعا/ رجاء مختار

بينما كان أبو محمد يقود سيارته القديمة عبر الطريق الترابي المؤدي إلى بلدة الكرك الشرقي، سمع دوي انفجار هز الأرض من حوله. لحسن الحظ؛ نجا الرجل الخمسيني بأعجوبة، لكن سيارته تحولت إلى حطام مشتعل.

“ظننت أن الحرب انتهت”، يقول أبو محمد وهو يفرك ذراعه المجروح، “لكن يبدو أن مخلفاتها ستطاردنا لسنوات”، الحادث الذي وقع قبل أيام لم يكن الأول ولن يكون الأخير في ريف درعا الشرقي، حيث تتحول الطرقات والأراضي الزراعية إلى حقول ألغام غير مرئية تهدد حياة السكان يومياً.

كان المشهد في موقع الانفجار مروعاً. قطع معدنية متناثرة، إطارات محترقة، وزجاج مهشم في كل مكان. السيارة التي تبين لاحقاً أنها تعود لعائلة من السويداء، تحولت إلى كومة من الحديد المشوه.

“الحمد لله على السلامة”، يقول أحد سكان البلدة الذي هرع إلى مكان الحادث، “لكن هذا الطريق أصبح رهاناً مع الموت، كل يوم نسمع عن انفجار جديد، إما لغم أو ذخيرة غير منفجرة”.

يقول علي، دكتور في مستشفى درعا الوطني، إنهم يستقبلون شهرياً ما لا يقل عن 3-5 حالات إصابة بسبب مخلفات الحرب.

ويسرد الطبيب المرهق “أسوأ الحالات هي تلك التي يكون الضحايا فيها من الأطفال”، “فهم لا يميزون بين اللعب والخطر”، قبل أسبوعين فقط، فقد طفل في العاشرة من عمره ثلاث أصابع من يده عندما التقط شيئاً ظنه لعبة، فإذا به عبوة ناسفة صغيرة.

حتى الأراضي الزراعية لم تسلم من هذه الكارثة. المزارع خالد من قرية غصم يروي كيف فقد ثلاثة من أغنامه عندما انفجر لغم مدفون في أرضه.

يقول الرجل الخمسيني بحسرة “زرعت هذه الأرض طوال حياتي”، “والآن أخاف أن أخطو فيها خشية أن تنفجر بي”. كثيرون مثله اضطروا إلى التخلي عن أراضيهم خوفاً من المخلفات الحربية، مما أثر سلباً على مصادر رزقهم.

وفي أحياء المدينة، حيث تتحول مخلفات الحرب إلى مصدر رعب يومي. تصف أم يوسف، سيدة أربعينية من حي المنشية، كيف عثر ابنها على قنبلة يدوية قديمة بين أنقاض بناء مجاور.

وتروي وهي ترتجف: “الطفل ظنها لعبة وأراد أن يلعب بها”، وتضيف: “لحسن الحظ، تدخل الجيران في الوقت المناسب”. مثل هذه الحوادث أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في درعا، حيث تختلط أنقاض المباني المدمرة بالذخائر غير المنفجرة.

كذلك المدارس ليست بمنأى عن الخطر. مديرة مدرسة الزهراء الابتدائية تروي كيف اضطرت إلى إلغاء حصة الرياضة بعد العثور على قطع معدنية غريبة في ساحة المدرسة.

“كيف نضمن سلامة الأطفال؟”، تساءلت المربية، “المخلفات الحربية في كل مكان، حتى في أماكن اللعب”، بعض المدارس اضطرت إلى تنظيم جلسات توعية لتعليم الأطفال كيفية التعرف على المخلفات الخطرة وتجنبها.

وتتفاقم المشكلة مع غياب الجهات المختصة القادرة على تنظيف المنطقة من هذه المخلفات. أحد مسؤولي الدفاع المدني (فضل عدم ذكر اسمه)، يشرح الصعوبات التي تواجههم: “نفتقر إلى المعدات المتخصصة والخبرات الكافية”.

ويتابع: “كثير من المناطق لا نجرؤ على الاقتراب منها بسبب احتمال وجود ألغام أو عبوات ناسفة”. ويضيف: “ما نستطيع إزالته لا يتجاوز 10% من المخلفات الموجودة فعلياً”.

وفي العيادات النفسية، ازداد عدد المرضى الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة بسبب هذه المخلفات. الدكتورة روان، أخصائية نفسية، تقول: “الكثيرون يعيشون في خوف دائم. كل صوت عالٍ يجعلهم يظنون أنه انفجار، كل قطعة معدنية في الطريق تثير ذعرهم”.

بعض العائلات اضطرت إلى مغادرة منازلها المجاورة للمناطق الخطرة، خوفاً على أطفالها.

أما في القرى النائية، فالمأساة مضاعفة، قرية أم ولد الصغيرة خسرت أربعة من سكانها في الأشهر الستة الماضية بسبب انفجارات مختلفة.

يقول مختار القرية: “نعيش كما لو أن الحرب ما زالت مستمرة”، “كل خروج من المنزل مغامرة، وكل عودة نعمة”. الأهالي هنا يطالبون بتحرك عاجل من المنظمات الدولية والجهات المعنية لتنظيف المنطقة من هذه المخلفات القاتلة.

وتزداد في المقابر، أعداد الضحايا يوماً بعد يوم. شواهد القبور تحكي قصصاً متشابهة: “قتلته مخلفات الحرب”، “فقدناه بسبب لغم أرضي”، “رحل ضحية ذخيرة منسية”. وراء كل شاهد قصة أسرة دمرها انفجار لم تكن تتوقعه.

وحتى تحرك المنظمات المختصة سيبقى أهالي درعا رهائن لمخلفات حرب. ففي غياب الحلول الجذرية، يبدو أن أشباح الحرب ستظل تطارد السكان لسنوات قادمة، تاركة وراءها المزيد من الدموع والجراح والخوف.

- Advertisement -

- Advertisement -