لكل السوريين

أرض بلا غلال.. مأساة فلاحي ريفي حمص وحماة بين التجريف وانتظار التعويضات

تقرير/ بسام الحمد

في سهول ريف حمص الشمالي وحقول ريف حماة الغربي، تحولت المزارع الخصبة التي كانت يوماً مصدر رزق الآلاف إلى أراضٍ جرداء تشهد على سنوات من الدمار المتعمد. فلاحون هنا يحكون قصصاً متشابهة عن تجريف ممنهج لأراضيهم، اقتلاع أشجارهم المثمرة، وتحويل حقولهم إلى ثكنات عسكرية. لقد خسرت هذه المناطق الزراعية الحيوية ما يقارب 40% من مساحاتها الخضراء خلال سنوات الحرب، وفق تقديرات مديريات الزراعة المحلية.

أبو علي، الفلاح الخمسيني من قرية الحواش بريف حمص، يقف أمام أرضه التي كانت مزروعة بأشجار التفاح والكرز، ويحكي كيف تحولت بين ليلة وضحاها إلى أرض مقفرة: “جاءت الدبابات في شتاء 2014 وبدأت تجرف كل شيء. لم يبقَ لي سوى هذه الصور القديمة لأثبت أن الأرض كانت عامرة”. يقدر خسائره بمئات الأشجار المثمرة التي كانت تكفيه وتكفي عائلته من الذل والسؤال.

الحال لا يختلف كثيراً في ريف حماة، حيث يعاني الفلاحون من نفس المأساة. أم محمد، الأرملة من قرية اللطامنة، تروي كيف فقدت بستان الزيتون الوحيد الذي كانت تعيل منه أطفالها الأربعة: “اقتلعوا 120 شجرة زيتون عمرها أكثر من خمسين عاماً. اليوم أعيش على مساعدات الجيران وأطفالي تركوا المدرسة ليعملوا بأجور زهيدة”.

الأرقام الرسمية تكشف حجم الكارثة. في ريف حمص وحده، انخفضت المساحات المزروعة بالأشجار المثمرة من 18 ألف هكتار إلى أقل من 11 ألف هكتار. أما في ريف حماة، فتشير إحصاءات مديرية الزراعة إلى فقدان 9 آلاف هكتار من أصل 22 ألف هكتار كانت مزروعة بأشجار الزيتون والفستق الحلبي.

المشكلة لا تقتصر على تجريف الأراضي فحسب، بل تمتد إلى مخلفات الحرب التي تجعل إعادة الزراعة مهمة شبه مستحيلة. أبو أحمد من بلدة تلدو بريف حمص يشرح: “حتى عندما سمحوا لنا بالعودة إلى أراضينا، وجدناها مليئة بالألغام والمخلفات الحربية. كيف نزرع وأرضنا أصبحت مقبرة للحديد؟”

يؤكد مدير الزراعة المهندس وليد الحسين أن “الوزارة تدرك حجم الكارثة وتعكف على وضع خطة لإعادة تأهيل القطاع الزراعي”. ويضيف: “لدينا مشاتل جاهزة لتوزيع الأشتال على المزارعين المتضررين، لكن التحدي الأكبر هو تنظيف الأراضي من المخلفات الحربية أولاً”.

وعود التعويضات تتردد منذ سنوات، لكن الفلاحين يشكون من البطء في التنفيذ. أبو محمود من قرية كفر نان بريف حماة يقول: “كل موسم يعدوننا بالأشتال، وكل موسم يمر دون أن نحصل على شيء. الأرض تحتاج إلى سنوات لتعود منتجة، ونحن لا نملك وقتاً لنضيعه”.

بعض المبادرات المحلية تحاول سد الفراغ. في قرى ريف حمص الجنوبي، أسس مجموعة من المزارعين تعاونية لجمع التبرعات وشراء الأشتال. يقول أحد مؤسسيها: “استطعنا حتى الآن إعادة زراعة 50 دونماً، لكن احتياجاتنا أكبر بكثير من إمكانياتنا”.

وتتراوح الحلول المطروحة بين الدعم الفني من منظمات الإغاثة، وبرامج القروض الزراعية، وحملات تنظيف الأراضي من المخلفات الحربية. لكن الأهم -كما يؤكد الخبراء- هو وضع استراتيجية متكاملة تحفظ حقوق المزارعين وتضمن عودة الحياة إلى هذه الأراضي التي كانت يوماً سلة غذاء لسوريا كلها.

- Advertisement -

- Advertisement -