في إحدى القاعات الهادئة داخل مركز الرقة للثقافة والفنون، جلست الشابة سيرين خليل على كرسي خشبي قرب النافذة المفتوحة على حديقة المركز الخلفية، كانت الرياح تتسلل بين الأشجار، حاملة معها أصوات المدينة الخافتة. ضمّت سيرين بزقها إلى صدرها كما لو أنّه آخر ما تبقّى من الأمان في حياتها أصابعها تتحسس الأوتار ببطء، تُخرج منها نغمة حزينة تحمل وجعها وخوفها معاً كل لحنٍ يعزف كان يختلط بصوت الريح ويذوب في الأزقة، كأنه يبحث عن صدرٍ حنون يأويه.
وفي تلك اللحظات المعلقة بين النغمة والصمت، لم يكن يشغل بال سيرين سوى سؤال واحد يطرق رأسها بلا رحمة: هل سأكون أنا أو إحدى صديقاتي الفنانات الضحية القادمة؟.
على بعد أمتار من سيرين جلست المغنية لافا محمد وحيدة في غرفة صغيرة في المركز الثقافي تعلو جدرانها صور نجوم كبار طالما حلمت أن تغني مثلهم أمسكت بالميكروفون، وأطلقت العنان لصوتها، لكن الحنجرة ارتجفت قبل أن يخرج اللحن الأول، والنغمة الأولى بدت متكسرة، كدمعة تبحث عن وجنة لتسيل عليها. توقفت لافا لحظة، تنهدت بعمق، وهمست لنفسها: “كيف أغني للحياة والموت يتسلل من كل نافذة؟”.
عادت لتغني مجدداً، لكن الصوت هذه المرة كان أكثر حزناً وارتجافاً كانت الأغنية عن دمشق والياسمين، عن طفولة لم تعرف الخوف، وعن شوارع كانت تعج بالموسيقى قبل أن يسكنها الصمت، كلما حاولت رفع صوتها شعرت أن رصاصة مجهولة قد تسبقها إلى صدرها. بين كل مقطع وآخر، تذكرت أسماء لم تغادر ذاكرتها: ديالا صلحي الوادي، غنى هلال، تالا شوفي.
وشعرت أن كل نغمة تنطقها حنجرتها المرتجفة قد تكون وداعاً مؤقتاً للحياة، حتى بدا لمن يسمعها أنها تبكي أكثر مما تغني.
جريمة تهز دمشق والفن معاً
مع خيوط الفجر الأولى، استفاقت دمشق قبل أيام على خبر صاعق الفنانة ديالا صلحي الوادي وُجدت مقتولة داخل شقتها في حي المالكي، بعد هجوم مسلح بدافع السرقة.
هذه الجريمة لم تصدم الوسط الفني فحسب، بل هزّت مشاعر كل من يعرف قيمة الموسيقى والفن في سوريا.
ديالا، ابنة المايسترو الراحل صلحي الوادي، مؤسس المعهد العالي للموسيقى والدراما ومدير المعهد الموسيقي العربي، حملت إرثاً موسيقياً كبيرًا ومسيرة فنية مميزة، لكن طعنات الغدر أخرست لحنها الأخير.
وتقول سمر جمعة، إدارية في حركة الهلال الذهبي في الرقة: “القتل والخطف اللذان كانا يملآن شوارع المدن السورية، دخلا بيوت الناس أصبح الرعب ساكناً بين الجدران، يطرق أبواب البيوت بلا إذن”.
وتتابع بصوت يختنق بالحزن: “من قتل الطفلة تالا شوفي التي غنّت لدمشق بأناملها الصغيرة، ومن قتل الطفلة غنى هلال وسرق كمانها، ومن قتل أبناء سنديانة الساحل أمام أعينها، هم أنفسهم من قتلوا ديالا. هذه سوريا الجديدة التي حلمنا أن تكون واحة حب، صارت بلداً يُقتل فيه الفن قبل الإنسان”.
الجريمة الأخيرة لم تكن مجرد حادثة منعزلة، بل حلقة جديدة في سلسلة مرعبة تستهدف الفن والحياة معاً، حالة الخوف هذه انعكست على الوسط الفني حيث بدأت أصوات الموسيقيين والمغنين تختفي من الساحات العامة والمسارح، وحلّ الصمت مكان العروض التي كانت تبعث الأمل في النفوس.
الفن لا يستسلم
رغم كل ذلك، تصرّ حركة الهلال الذهبي على أن الفن سيبقى صرخة في وجه الرصاص. وجاء في بيانها: “كمان غنى سيواصل العزف، وغيتار تالا سيظل يرنّ، ومسيرة ديالا لن تتوقف سنرفع أصواتنا بالموسيقى ونغني للياسمين حتى يزهر في كل شبر من أرضنا. اليد التي تعزف لا تقتل، وسنعلم أطفالنا الغناء والرقص حتى تبقى الحياة أقوى من الموت”.
هكذا، تبقى سيرين خليل تعزف ببزقها المرتجف في الرقة، ولافا محمد تغني بصوتٍ حزين، يشبه بكاء الأرض على فنانيها بين كل وترٍ ونغمة، وفي كل ارتجافة صوت، تظل سوريا تناضل كي تبقى فيها مساحة صغيرة للحياة، رغم أنف الرعب، ورغم أن الموت يحاول كل يوم إسكات آخر لحن فيها.