أطلقت المملكة العربية السعودية مشروعاً واسعاً لإزالة الأنقاض من أحياء دمشق ومحيطها، ضمن حزمة استثمارات ومساعدات إنسانية وتنموية تقدَّر بأكثر من 6 مليارات دولار، جرى توقيعها خلال المنتدى الاستثماري السعودي – السوري الأخير.
ويهدف المشروع إلى إعادة تأهيل المناطق المتضررة من الحرب وخلق فرص اقتصادية للسكان المحليين، في خطوة وصفها مراقبون بأنها “استثمار في استقرار الشعب السوري”، بعيداً عن الحسابات السياسية المرتبطة بحكومة الشرع.
إزالة آثار الحرب وإعادة الإعمار من القاعدة
يتضمن المشروع إزالة مئات آلاف الأطنان من الأنقاض وإعادة تأهيل البنى التحتية المتهالكة، تمهيداً لإقامة مشاريع خدمية وصناعية جديدة. ويؤكد مختصون أن هذه الخطوة تحمل بعداً رمزياً عميقاً، كونها تمثل إزالةً لآثار الحرب مادياً ومعنوياً، وتهيئةً لواقع جديد يطمح إليه السوريون.
وتتكامل المبادرة مع مشاريع سعودية أخرى داخل سوريا، منها الحملات الطبية التطوعية التي نظّمها مركز الملك سلمان للإغاثة، حيث أُجريت عمليات جراحية معقّدة للقلب مجاناً، إلى جانب دعم واسع لبرامج الغذاء والإيواء في مناطق النزوح. كما ساهمت الرياض مع قطر في سداد متأخرات سوريا لدى البنك الدولي، ما أعاد للبلاد أهليتها للحصول على التمويل الدولي، إضافة إلى تمويل رواتب موظفي القطاع العام لثلاثة أشهر.
تركيز على الخدمات لا على الأجهزة الأمنية
تشمل الاتفاقات قطاعات حيوية مثل الإسكان، التعليم، الصحة، وشبكات المياه والصرف الصحي، إلى جانب مشاريع لترميم المدارس وتأهيل المستشفيات والمخابز. ويؤكد مراقبون أن هذا التوجه يعكس فهماً سعودياً لاحتياجات السوريين في مرحلة ما بعد الحرب، حيث لا يقتصر الدعم على الشعارات السياسية، بل يترجم إلى خطوات ملموسة تمس حياة الناس اليومية.
ويشير محللون إلى أن التحركات السعودية تبرز في مقابل النهج الإيراني خلال السنوات الماضية، الذي ركز على تعزيز نفوذ أمني وعسكري. بينما تضع الرياض استراتيجيتها على إعادة بناء حياة السوريين وتنمية المجتمع، لا على إدارة الصراع.
وخلال فعالية رسمية في دمشق، أعلن مركز الملك سلمان عن تكوين وحدة متخصصة لإدارة الأنقاض وإعادة تدوير ما لا يقل عن 30 ألف متر مكعب منها، إضافة إلى توفير المعدات لضمان استمرار العملية لسنوات مقبلة. كما شملت الاتفاقات مشاريع لتأهيل 34 مدرسة، وتجهيز 17 مستشفى، وإعادة تشغيل 60 مخبزاً، إلى جانب تطوير شبكات مياه وصرف صحي.
وقال الدكتور عبد الله الربيعة، رئيس مركز الملك سلمان للإغاثة، إن المشاريع تستهدف القطاعات ذات الأولوية الملحة، مؤكداً أنها تسهم في تخفيف معاناة السوريين وتعزيز فرص التعافي. فيما أشار وزير الطوارئ الحكومة السورية الانتقالية رائد الصالح إلى أن الحرب خلّفت “أنقاضاً ومخلفات تهدد حياة المدنيين وتعرقل جهود التعافي”.
وبينما تقدّر الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 400 مليار دولار، تؤكد الرياض أن دعمها موجّه نحو الشعب السوري نفسه، بعيداً عن أي اصطفاف سياسي مع الحكومة. ويرى مراقبون أن المملكة تراهن على إعادة إعمار سوريا من قاعدتها الاجتماعية، لا من رأس الحكومة، بما يفتح الباب أمام علاقة جديدة بين دمشق والرياض قوامها التنمية والخدمات.