حمص / بسام الحمد
تعيش مدينة حمص اليوم على وقع أزمة صامتة لكنها مؤثرة في حياة آلاف الأسر، وهي أزمة إصلاح وصيانة السيارات. فالارتفاع الجنوني في أسعار قطع الغيار والخدمات الميكانيكية بات عبئاً ثقيلاً على كاهل مالكي السيارات، لا سيما في ظل الانهيار المتواصل في القدرة الشرائية للمواطن السوري، ما حول إصلاح أبسط الأعطال إلى معضلة مالية قد تتطلب أحياناً تضحيات قاسية.
تضاعف التكاليف.. والأسباب متعددة
في السنوات القليلة الماضية، ارتفعت تكلفة إصلاح السيارات في حمص بشكل غير مسبوق. فالإصلاح الذي كان يكلف قبل عامين نحو 50 ألف ليرة سورية، أصبح اليوم يتجاوز 300 ألف ليرة، بل قد يصل إلى الملايين إذا ما تطلب الأمر استبدال قطع حساسة أو نادرة.
يرجع أصحاب الورش الميكانيكية هذه القفزة الكبيرة إلى عدة عوامل متداخلة، أهمها ارتفاع أسعار قطع الغيار المستوردة، والتي تشكل أكثر من 80% من السوق المحلي. يقول محمد الحسين، صاحب ورشة في حي الوعر: “قطع الغيار أصبحت عبئاً حتى علينا كأصحاب ورش، لأننا لا نجدها بسهولة، وإن وجدناها فأسعارها خيالية. طقم الفرامل الأمامي مثلاً كان بـ75 ألف ليرة، الآن تجاوز 400 ألف، وبعض القطع تُطلب من الخارج وتنتظر لأشهر”.
وتعود هذه الأزمة إلى عدة أسباب خارجية وداخلية، أهمها العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، التي حدّت من قدرة المستوردين على جلب البضائع، إلى جانب تدهور سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، مما ضاعف تكلفة أي عملية استيراد.
تكاليف التشغيل تشعل الأسعار
لم تقتصر أسباب الغلاء على أسعار القطع فحسب، بل امتدت إلى تكاليف تشغيل الورش نفسها. فارتفاع أسعار الوقود وزيوت التشحيم، إضافة إلى الانقطاعات المستمرة للكهرباء، أجبر الورش على تشغيل مولدات كهربائية لساعات طويلة يومياً، مما يرفع من كلفة الإصلاحات. كما أن أجور اليد العاملة تضاعفت أيضاً، إذ تجاوز أجر العامل الماهر في بعض الحالات 100 ألف ليرة يومياً، بعد أن كان لا يتجاوز 25 ألف ليرة.
أصحاب السيارات القديمة.. الحلقة الأضعف
الضرر الأكبر طال أصحاب السيارات القديمة والمستعملة، الذين يشكلون الشريحة الأكبر من مالكي السيارات في حمص. يقول أبو علي، وهو موظف حكومي يمتلك سيارة موديل 2005: “السيارة بحاجة لصيانة دورية، ولكن الفاتورة الأخيرة لإصلاح علبة السرعة تجاوزت مليونين، واضطررت لبيع ثلاجة بيتي لتأمين المبلغ. لا يوجد خيار آخر سوى الإصلاح، لأن السيارة ضرورية للوصول إلى عملي”.
مثل هذه الحالات باتت شائعة، حيث أصبح إصلاح بعض الأعطال يتجاوز القيمة السوقية للسيارة نفسها، وهو ما يدفع بعض أصحاب المركبات للتخلي عنها أو بيعها بأبخس الأسعار.
حلول بديلة محفوفة بالمخاطر
في مواجهة هذه الأزمة، لجأ الكثير من المواطنين إلى حلول بديلة، مثل استخدام قطع غيار مستعملة أو مهربة، أو اللجوء إلى ورش غير مرخصة تقدم خدمات بأسعار أقل. بل إن بعضهم بدأ بتعلم بعض أساسيات الصيانة عبر الإنترنت أو من خلال ورش تدريبية محلية بسيطة، وذلك لتقليل الاعتماد على الورش.
لكن هذه البدائل لا تخلو من المخاطر، إذ أن تركيب قطع غير أصلية أو إجراء صيانة غير احترافية قد يؤدي إلى أعطال أكبر لاحقاً، فضلاً عن تهديد السلامة العامة في الطرقات. ويؤكد المهندس الميكانيكي رائد منصور أن “أي تأجيل أو تقصير في صيانة المركبة بشكل صحيح يمكن أن يحول المشكلة البسيطة إلى عطل كامل في المحرك أو النظام الكهربائي، ما يعني أضعاف التكاليف لاحقاً”.
مبادرات فردية ومجتمعية لمواجهة الأزمة
رغم التحديات، ظهرت بعض المبادرات التي تحاول التخفيف من آثار الأزمة، منها ورش تقدم خدمات تقسيط للزبائن، أو تعتمد على إعادة تدوير قطع السيارات وصيانتها لتصبح صالحة للاستخدام من جديد. كما تم افتتاح ورش مجتمعية بدعم من منظمات محلية، تقدم خدمات منخفضة الكلفة لفئات محددة مثل ذوي الدخل المحدود، أو سائقي التكسي.
لكن هذه المبادرات، على محدوديتها، تعاني من ضعف التمويل ونقص المواد، ولا تستطيع أن تلبي الطلب المتزايد في المدينة التي تعتمد بشكل كبير على المركبات الخاصة، في ظل ضعف شبكة النقل العامة.
النقل العام.. ملاذ لكنه ليس آمناً
بالتوازي مع أزمة صيانة المركبات، يعاني قطاع النقل العام في حمص من مشكلات مزمنة تتعلق بندرة الحافلات، وازدحام غير مسبوق، وارتفاع أجور النقل. وهو ما يجعل الكثيرين يتمسكون بمركباتهم الخاصة رغم التكلفة العالية. ويقول أحد المواطنين: “وسائل النقل العامة لا يمكن الاعتماد عليها دائماً، فهي إما مزدحمة أو لا تأتي في الوقت المناسب، ولذلك أفضّل إصلاح سيارتي على بيعها رغم الكلفة”.
منظور اقتصادي أوسع
يرى خبراء اقتصاديون أن أزمة إصلاح السيارات في حمص ليست سوى انعكاس لمشكلة أوسع، تتعلق بانهيار القيمة الشرائية لليرة السورية، وتدهور سلاسل التوريد، وفوضى الأسواق، وغياب الرقابة على الأسعار. ويقول الباحث الاقتصادي فادي النجار إن “الحل لا يكمن فقط في دعم قطاع صيانة السيارات، بل يجب أن يكون ضمن استراتيجية اقتصادية شاملة تتضمن دعم الاستيراد، ضبط السوق، وتحسين البنية التحتية للنقل العام”.
المستقبل.. غموض وتحديات
في ظل استمرار الانهيار الاقتصادي وعدم وجود بوادر لحلول قريبة، تبدو الأزمة مرشحة للتفاقم. ومن المرجح أن تزداد أعداد الأشخاص الذين يعجزون عن صيانة سياراتهم، ما سيؤثر على الحركة الاقتصادية العامة، وعلى قطاعات أخرى مثل النقل، التجارة، والخدمات.
وفي حين يحاول بعض أصحاب الورش الاستمرار وتقديم خدماتهم بأقل الأضرار، فإن شريحة واسعة من المواطنين وجدت نفسها مضطرة للتخلي عن نمط حياة اعتادوه، والعودة إلى بدائل قد تكون أقل راحة، لكنها أكثر واقعية في ظل الأوضاع الحالية.