حماة/ جمانة الخالد
تشهد محافظة حماة أزمة غير مسبوقة في قطاع تربية الأغنام، حيث يعاني المربون من تحديات مزدوجة تتمثل في الارتفاع الحاد لتكاليف التربية من ناحية، وانخفاض أسعار المواشي بشكل كبير من ناحية أخرى. وقد تفاقمت هذه الأزمة خلال العامين الماضيين بسبب تدهور الظروف المناخية وتراجع المساحات الخضراء، مما أدى إلى خسائر فادحة للعديد من العائلات التي تعتمد على هذه الثروة كمصدر رئيسي للدخل.
تشير الإحصاءات غير الرسمية إلى أن تكاليف تربية رأس الغنم الواحد ارتفعت بنسبة تصل إلى 400% مقارنة بما قبل الأزمة، حيث أصبح سعر الطن الواحد من العلف يتجاوز 3 ملايين ليرة سورية، بعد أن كان لا يتعدى 500 ألف ليرة قبل سنوات قليلة. كما ارتفعت تكاليف الأدوية البيطرية والمكملات الغذائية بنسب مماثلة، في حين أن أسعار بيع الأغنام في الأسواق المحلية شهدت انخفاضاً كبيراً بسبب ضعف القدرة الشرائية للمواطنين وتراجع الطلب على اللحوم.
ويوضح المربون أن موجات الجفاف المتتالية التي ضربت المحافظة كانت العامل الأكبر في تفاقم الأزمة، حيث أدت إلى ندرة المراعي الطبيعية وتراجع إنتاج الأعلاف المحلية، مما اضطرهم إلى الاعتماد بشكل كامل على الأعلاف المستوردة بأسعار خيالية. ويشير أبو محمد، أحد مربي الأغنام في ريف حماة الشمالي، إلى أنه كان يمتلك قطيعاً من 200 رأس من الغنم، اضطر لبيعه كاملاً بسبب عدم قدرته على تأمين متطلبات القطيع من العلف والماء، قائلاً: “أصبحت تربية الأغنام مغامرة خاسرة، فما ننفقه على العلف يفوق بكثير ما نحصل عليه من بيعها”.
من جهة أخرى، يعاني المربون من انهيار أسعار المواشي في الأسواق، حيث انخفض سعر الخروف الحي من مليوني ليرة سورية إلى حوالي 900 ألف ليرة فقط، وهو ما لا يغطي حتى تكاليف تغذيته لعدة أشهر. وقد أدى هذا الوضع إلى إفلاس العديد من صغار المربين الذين اضطروا لبيع قطعانهم بخسارة فادحة أو تحويلها إلى ذبح عاجل لتجنب المزيد من الخسائر.
وتعاني الأسواق الرئيسية للمواشي في المحافظة مثل سوق السيلين وسوق مورك من شبه توقف في الحركة التجارية، حيث يقف المئات من المربين أمام أبوابها أياماً طويلة دون أن يجدوا مشترين لمواشيهم، أو أن يعرضوا عليهم أسعاراً أقل بكثير من التكلفة. ويقول أحد التجار في سوق السيلين: “المشترون أصبحوا نادرين، والناس لا تفكر إلا بشراء أساسيات الحياة، واللحوم أصبحت من الكماليات بالنسبة لغالبية السكان”.
في ظل هذه الظروف الصعبة، بدأ العديد من المربين في محافظة حماة بالتخلي عن هذه المهنة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، والتحول إلى أعمال أخرى أو الهجرة إلى المدن الكبرى بحثاً عن فرص عمل. كما أدت الأزمة إلى تراجع كبير في أعداد القطعان في المحافظة، مما ينذر بانهيار قطاع كان يشكل أحد أهم مصادر الدخل في المناطق الريفية.
وتحاول بعض الجمعيات الزراعية والمؤسسات المحلية تقديم مساعدات عينية للمربين، لكن هذه المساعدات تبقى محدودة ولا تغطي سوى جزء بسيط من الاحتياجات. وفي الوقت نفسه، يحذر خبراء الزراعة من استمرار هذه الأزمة التي قد تؤدي إلى تغيير جذري في النمط الاقتصادي والاجتماعي للمناطق الريفية في المحافظة، حيث تشكل تربية الأغنام أحد أهم مكونات الحياة الريفية والاقتصاد المحلي.
أمام هذا الواقع المرير، يطالب المربون الجهات المعنية بالتدخل العاجل لإنقاذ ما تبقى من قطاع تربية الأغنام، من خلال توفير الأعلاف المدعومة، وتنظيم عمليات التسويق، وإيجاد حلول لمشكلة الجفاف عبر حفر الآبار وتأمين مصادر مائية بديلة. لكن في ظل استمرار الظروف المناخية الصعبة والأوضاع الاقتصادية المتدهورة، يبدو أن مستقبل تربية الأغنام في محافظة حماة يواجه تحديات مصيرية قد تغير من وجه الريف السوري إلى الأبد.