لكل السوريين

أم مازن.. امرأة ريفية تتحدى قسوة الحياة في ريف اللاذقية

اللاذقية/ يوسف علي

في عمق الريف الساحلي لمحافظة اللاذقية السورية، حيث تلتقي التلال الخضراء بزرقة السماء، وتنتشر البيوت الطينية المتناثرة على جنبات الطرق الترابية، تبرز قصة “أم مازن” كصورة ناطقة لصمود المرأة الريفية في وجه الفقر والتهميش والحرمان. في قرية صغيرة محاطة ببساتين الزيتون وأشجار التين، تعيش هذه المرأة الخمسينية، التي فقدت زوجها منذ سنوات، لتجد نفسها أمام تحدٍ قاسٍ: أن تكون الأم والأب، المزارعة والمعيلة، الحامية والمربية، في آنٍ معاً.

زوجها، “أبو مازن”، كان يعمل مزارعاً بسيطاً، ومع وفاته، ترك لها منزلاً متواضعًا من الطين والحجر، وقطعة أرض صغيرة بالكاد تكفي لإعالة أسرة. لم تكن أم مازن تعرف حياة غير حياة الحقل والتراب، ولم تملك رفاهية التفكير في بدائل، فكان قرارها الفوري أن تتحمل المسؤولية، دون أن تنتظر معونة من أحد. غير أن الأرض التي ورثتها لم تكن رحيمة كما كانت في الماضي، بل تحولت إلى ساحة صراع يومي مع متغيرات الطبيعة، وتقلبات الأسعار، وشحّ الموارد، وانقطاع الدعم.

تبدأ أم مازن يومها قبل شروق الشمس، فتخرج إلى الحقل لتتفقد المزروعات، تحرث، وتروي، وتجمع، وتتابع ما تبقى من أمل في موسم قد لا يعوّضها حتى كلفة البذار. تقول بنبرة متعبة وقد علت وجهها خطوط السنين: “كل يوم أخرج إلى الحقل وأنا أضع يدي على قلبي. أخاف من أن تمرض نبتة، أو تجف شجرة، أو ينهار شيء مما بنيته بيدي. والأصعب أنني أخاف على أولادي من الجوع والحرمان أكثر مما أخاف على نفسي.”

الواقع الأمني في بعض المناطق القريبة زاد من حدة مخاوفها. فهي امرأة وحيدة في حقول بعيدة، يمر بها الغرباء أحيانًا، ويتردد عليها تجار أو عمال لا تثق بهم تمامًا. تقول بصوت منخفض: “أحيانًا أضطر للعمل في مكان منعزل لساعات طويلة… وكل حركة تثير شكوكي. لا يوجد من يؤمن لنا الحماية، حتى رجال الشرطة لا يأتون إلى هذه الجهات إلا عند الضرورة القصوى.”

غلاء فاحش وموارد شبه معدومة

كحال معظم العائلات في ريف اللاذقية، تعيش أم مازن في دوامة اقتصادية خانقة. فأسعار المواد الغذائية ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، والكثير من السلع الأساسية أصبحت حلمًا بعيد المنال. أما الزراعة – مصدر دخلها الوحيد – فتعاني من نقص حاد في مستلزمات الإنتاج. “كيس السماد تضاعف سعره ثلاث مرات، والمبيدات الجيدة لا أستطيع حتى السؤال عنها. وإذا تعطلت مضخة المياه، أحتاج أسابيع لتوفير ثمن إصلاحها.” تضيف بحسرة وهي تشير إلى خزان ماء صغير قديم بالكاد يكفي لري نصف الأرض.

وتتفاقم الأزمة مع الانقطاعات المستمرة للكهرباء والمياه، ما يجعل من إدارة الحقل مهمة شبه مستحيلة، خاصة في فصل الصيف. “أحيانًا تبقى المزروعات عطشى لأيام، وأقف عاجزة. وأحيانًا تتعفن الثمار لأنني لا أستطيع نقلها للأسواق في الوقت المناسب.”

المعاناة لا تنتهي عند حدود الزرع، بل تمتد إلى ما بعد الحصاد. فالمشكلة الكبرى التي تواجهها النساء مثل أم مازن هي تسويق منتجاتهن. فغياب أسواق منظمة، وشبكات النقل الضعيفة، واحتكار التجار الوسيطين، يجعل من بيع المحاصيل عملية خاسرة في أغلب الأحيان. تقول: “في بعض المواسم أبيع كل إنتاجي من البندورة أو الباذنجان بسعر لا يغطي كلفة البذار، فقط لأنني لا أملك وسيلة نقل، ولا أعرف كيف أتعامل مع الأسواق الكبرى.”

الوعود لا تُشبع البطون

رغم كثرة البرامج والمبادرات المعلنة في الإعلام حول “تمكين المرأة الريفية”، لم يصل إلى أم مازن أي دعم حقيقي. لا قروض صغيرة، ولا دورات تدريبية، ولا حتى مساعدات زراعية أولية. تقول بمرارة: “سجلت اسمي أكثر من مرة في قوائم الجمعيات، وانتظرت شهورًا، لكن لم أسمع أي رد. نحن نساء الريف لا يسمعنا أحد، وكأننا نعيش في هامش غير مرئي.”

وتضيف بأسى: “نتمنى فقط من يسمع صوتنا، من يرشدنا كيف نطور عملنا. نحن لا نطلب صدقات، بل نريد فرصًا لنعيش بكرامة.”

ورغم كل هذه الأعباء، لا تزال أم مازن صامدة، مثل شجرة زيتون في وجه الرياح العاتية. هي امرأة تؤمن بأن الأرض، وإن خذلتها أحيانًا، تظل الجذر الذي يمنحها القوة. حين سألناها عن أحلامها، صمتت قليلاً ثم قالت بخجل: “أحلم بأن أرى أولادي يكملون دراستهم، وأن أزرع أرضي بوسائل حديثة، وأن أبيع محاصيلي بسعر عادل. ليس أكثر.”

قصة أم مازن ليست استثناء، بل نموذج متكرر في أرياف سوريا، حيث تعيش آلاف النساء في ظل صعوبات الحياة اليومية، يقدّمن التضحيات بصمت، دون دعم أو حماية. هؤلاء النساء يشكّلن خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي في البلاد، ورغم ذلك، يتم تجاهلهن في السياسات والموازنات.

وإن دعم نساء مثل أم مازن ليس عملاً خيرياً أو ترفاً تنموياً، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان استمرارية الحياة في الريف السوري، ومنع الهجرة والنزوح وتفكك البنية الاجتماعية. نحتاج إلى خطط حقيقية، تمويل مباشر، بنى تحتية زراعية، وأسواق عادلة، ومشاريع تنموية موجهة للمرأة الريفية، تُبنى بالتعاون معها، لا من فوق رأسها.

تختم أم مازن كلامها بكلمات تختصر الحكاية كلها: “الأرض مثل الأم… لا تتركنا، لكنها مريضة ومتعبة. ونحن أيضًا متعبات. نحتاج من يسندنا، لا من يعظنا فقط.”

- Advertisement -

- Advertisement -