دمشق/ مرجانة إسماعيل
وسط حرارة تموز ولهيب الأوضاع الاقتصادية الخانقة، تتجه أنظار الكثير من العائلات الدمشقية والجنوبية نحو حكاية أخرى تنبض بالحياة، رائحتها تملأ الأجواء ونكهتها تلامس الذاكرة، إنها حكاية دبس العنب المغلي، الذي لا يزال يُحضّر في كثير من البيوت بأيادي النساء، اللواتي لم تتوقف أدوارهن عند حدّ إدارة الأسرة، بل تجاوزنه إلى إحياء تراث غذائي يهدده النسيان.
في دمشق وأريافها، كما في محافظتي السويداء ودرعا، تحوّلت صناعة دبس العنب من تقليد موسمي إلى طقس سنوي متوارث، تقوده النساء بخبرة وصبر. “منذ نعومة أظافري وأنا أراقب أمي وهي تقلب دبس العنب على نار الحطب”، تقول أم خالد، (52 عاماً)، من سكان حي الزاهرة في دمشق، وتضيف: “اليوم أُعلّم بناتي كيف نصنعه، لأنه ليس مجرد منتج غذائي، بل هو ذاكرة وهوية”.
نساء العاصمة يعُدنَ إلى مواقد الحطب
مع تراجع توفر الغاز وارتفاع تكاليفه، وجدت نساء دمشق أنفسهن مضطرات للعودة إلى الطرق القديمة في الطهي، خاصة عند إعداد المؤونة الشتوية ومنها دبس العنب. تقول أم خالد: “عدنا إلى الحطب لأن الغاز لم يعد متوفراً، وتحضير الدبس يحتاج وقتاً طويلاً على النار، والحطب رغم صعوبته أوفر وأقرب لما كنا عليه زمان”.
وفي بساتين داريا وقدسيا وحرستا، ورغم كل ما مر بها من تدمير وتهجير، لا تزال بعض العائلات، خصوصاً من عادوا إلى منازلهم، يعيدون إحياء طقس دبس العنب، حيث تخرج النساء مع أطفالهن إلى الأراضي القريبة، يجمعن العنب ويبدأن عملية العصر اليدوي ثم الطهي، وسط أغانٍ شعبية وأجواء تعاونية تعكس موروثاً غنياً.
دور النساء.. من التقاليد إلى اقتصاد الأسرة
في ظل الغلاء المعيشي وغياب الوظائف، تحوّلت صناعة دبس العنب إلى مصدر دخل إضافي، وإن كان متواضعاً. النساء، وخاصة في ريف دمشق والجنوب، أصبحن يلجأن إلى إنتاج كميات تفوق احتياج المنزل، ويقمن ببيع الفائض في الأسواق أو عبر المعارف والجيران.
فاطمة حسين، مزارعة من عرمان، تؤكد أن “الكثير من النساء أصبحن يعتمدن على إنتاج الدبس منزلياً وبيعه لتأمين احتياجات أسرهن، لا سيما مع ندرة فرص العمل في القرى والبلدات النائية”.
ورغم التكاليف المرتفعة، لا تزال النساء يصمّمن على الاستمرار، حيث بلغ سعر ليتر المازوت الحر أكثر من 6 آلاف ليرة، في حين تتطلب صناعة كمية صغيرة من الدبس ساعات من الغلي، بالإضافة إلى أجور العصر التي تضاعفت مؤخراً.
بين الماضي والحاضر.. معاناة وصمود
تقول رجاء عليوي، من ريف درعا الغربي، إن صناعة الدبس في الجنوب ليست ترفاً موسمياً، بل وسيلة للتغلب على غلاء الأسعار وسوء جودة المنتجات التجارية. وتوضح أن “دبس العنب المنزلي لا يقارن بما يُباع في الأسواق، من حيث النكهة والنظافة وحتى القيمة الغذائية”.
وتشرح رجاء أن العنب في درعا يحتاج لإضافة السكر لتحسين مذاقه أثناء صناعة الدبس، ما يشكل عبئاً إضافياً في ظل ارتفاع سعر السكر. لذلك تلجأ العديد من العائلات لشراء عنب السويداء المعروف بحلاوته الطبيعية، لتوفير السكر في التحضير.
وبالرغم من جهود النساء، تبقى صناعة دبس العنب معرّضة لصعوبات عديدة، أبرزها ضعف القدرة الشرائية وغياب الدعم الحكومي. تقول إحدى النساء المشاركات في هذه الصناعة: “نُنتج الدبس بكميات جيدة، لكن أين نبيعه؟ في دمشق، الوضع صعب جداً، والناس بالكاد يشترون الأساسيات”.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن صناعة الدبس في السويداء تستحوذ على نحو 14٪ من إنتاج العنب في المحافظة، إلا أن ضعف التسويق وعدم وجود آليات تصدير فعالة، يجعل المردود الاقتصادي لا يوازي الجهد المبذول.
تراثٌ نسائي لا ينكسر
بين ألسنة اللهب ورائحة العنب المتبخر، تُعيد النساء في دمشق والجنوب السوري كتابة فصول من التاريخ. لا تقتصر مساهمتهن على الحفظ، بل على الإبداع والإنتاج وتحقيق الاستمرارية.
فرغم كل التحديات، فإن صناعة دبس العنب تبقى شاهدة على إصرار النساء على حماية التراث من النسيان، وعلى دورهن الحيوي في اقتصاد الأسرة والمجتمع.
ومع كل قطرة دبس تُصفّى بعناية، وكل نار تُشعل بصبر، تَثبت نساء سوريا أنهن عماد الاستمرار وذاكرة الأرض.