لكل السوريين

مجازر الساحل بلا محاسبة… الحكومة تصمت والجلادون ينتقلون

اللاذقية/ يوسف علي

رغم دعوات جدية لتفكيك الفصائل الأجنبية المتهمة بارتكاب مجازر مروعة في الساحل السوري خلال آذار/ مارس الماضي، لم تُتخذ أي إجراءات فعلية بهذا الصدد. وعلى العكس، لوحظ نوع من التواطؤ أو التجاهل الرسمي من قبل الحكومة الانتقالية، بحسب ما تشير إليه شهادات وشكاوى محلية.

وتؤكد مصادر ميدانية أن الجهات التي شنت الهجمات الأخيرة لا تمثل تشكيلات عسكرية سورية، بل توصف بأنها أدوات قمع أجنبية، تمارس ذات الأساليب التي استخدمت في مجازر سابقة ببانياس وريف اللاذقية، ما يعيد إلى الأذهان الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين على خلفيات طائفية.

الناشط المحلي رامي الجباعي صرّح بأن “القوات المهاجمة ليست جزءاً من الجيش السوري، وإنما ميليشيات مدعومة من أطراف أجنبية”، متسائلًا عن جدية الحكومة الانتقالية في التعاطي مع هذا الملف. ورأى أن “صمت الحكومة يثير الشكوك، خاصة أن الجميع يعلم بمن يقف خلف هذه المجازر”.

وكانت لجنة تقصي الحقائق قد أنهت مهامها في 13 تموز/يوليو 2025، بعد مهلة استمرت منذ آذار/مارس حتى نهاية حزيران/يونيو. ورغم مرور أكثر من أسبوع على انتهاء عملها، لم تُصدر اللجنة ولا أي جهة رسمية تقريراً نهائياً بشأن نتائج التحقيق، في تجاهل واضح لحجم الكارثة التي وثقتها منظمات حقوقية مستقلة.

ووفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، بلغ عدد المجازر التي جرى التحقيق فيها 63 مجزرة، أسفرت عن مقتل نحو 1,682 شخصاً، معظمهم من المدنيين، فيما تشير المعطيات إلى ارتفاع هذا الرقم بشكل كبير، بعد وقوع 542 قتيلاً إضافياً في الأيام الثلاثة التي أعقبت انتهاء عمل اللجنة، في مؤشر خطير على استمرار العنف وتدهور الأوضاع الأمنية.

وعلى الرغم من الترحيب الدولي بتشكيل اللجنة في بداية عملها، إلا أن انتهاء عملها لم يُقابل بأي رد فعل من المجتمع الدولي، في صمت أثار قلق الضحايا وذويهم، خاصة بعد أن تكررت مشاهد العنف نفسها في مناطق جبلية جديدة، ما يعزز المخاوف من إعادة إنتاج المجازر في مناطق مختلفة من البلاد.

وبحسب إفادات قدمتها اللجنة، فإنها زارت تسعة مواقع رئيسية على الساحل السوري، شملت اللاذقية، بانياس، حماة، وإدلب، واستجوبت أكثر من 30 شخصاً بشكل أولي، كما جمعت 95 شهادة من مصادر عسكرية وأمنية ومدنية، بالإضافة إلى توثيق شهادات مئات الأهالي الذين عايشوا وقائع العنف، وتقديم بلاغات صوتية ومكتوبة وتحليل مقاطع فيديو وأدلة ميدانية.

المتحدث باسم اللجنة، ياسر الفرحان، أشار إلى أن عمل اللجنة تمّ بحرية تامة، دون تدخل مباشر من السلطات، وأنها حصلت على مرافقة جنائية تقنية عند دخولها للمناطق المتضررة. ومع ذلك، فإن اللجنة واجهت صعوبات جمّة، أبرزها تخوف السكان من الحديث، في ظل مناخ عام من الترهيب والضغط الإعلامي والسياسي الذي تمارسه جهات مختلفة.

ومن بين الشهادات التي حصلت عليها اللجنة، تحدث المزارع خليل من قرية صنوبر جبلة عن “تجاهل اللجنة لسكان القرية”، مشيراً إلى أنهم لم يتحدثوا إلى أحد من الأهالي، رغم أنهم زاروا مواقع المقابر الجماعية، مؤكداً أن “معظم السكان كانوا خائفين من التحدث، ولا أحد يثق في أن أقواله ستكون في مأمن”.

كما روى حيدر، أحد الناجين من مجزرة قرية برابشبو، أنه شاهد رتلاً من قوات الأمن العام والشرطة التابعة لوزارة الداخلية في الحكومة السورية الانتقالية يرافق اللجنة إلى موقع المقبرة الجماعية، حيث قاموا بالتقاط صور للمنازل المحروقة والمدمرة، ثم غادروا دون أن يتحدثوا مع أحد من سكان القرية.

في المقابل، أعلنت منظمة العفو الدولية أنها أجرت مقابلات مع 16 شخصاً من مناطق مثل بانياس ومحيطها، ووثقت 32 حالة قتل ممنهجة، مطالبة اللجنة بضمان حماية الشهود وضمان الوصول الكامل إلى مواقع الجرائم دون عوائق.

وأكدت اللجنة من جهتها أنها تعمل على إعداد قوائم بالشهود والمشتبه بهم، وأن هذه القوائم ستُحال إلى الجهات القضائية المختصة. وأبدت استعدادها للتعاون مع الأمم المتحدة، لكنها شددت في الوقت نفسه على تفضيل الآليات المحلية في البداية، لضمان الخصوصية وتحقيق العدالة ضمن الإطار السيادي السوري.

ورغم هذه الوعود، فإن غياب الشفافية وعدم نشر أي تقرير نهائي حتى الآن، يثير تساؤلات جادة حول جدية الحكومة واللجنة على السواء، وسط استمرار العنف وغياب أي محاسبة للمجرمين الذين ارتكبوا المجازر في الساحل، ويُعتقد أنهم يتحركون اليوم بحرية في مناطق جديدة من البلاد، ومنها الجبل، ما ينذر بتكرار الكارثة في أماكن أخرى دون رادع أو مساءلة.

- Advertisement -

- Advertisement -