لكل السوريين

نحت شواهد القبور.. من الموت يعتاش سوريون

تقرير/ مرجانة إسماعيل

في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها السوريون منذ سنوات الحرب والصراعات، برزت العديد من المهن غير التقليدية كمصدر للرزق، ومن بين هذه المهن مهنة نحت شواهد القبور. هذه المهنة، التي قد يراها البعض غريبة أو حتى كئيبة، أصبحت مصدر دخل للعديد من العائلات السورية التي وجدت فيها وسيلة للبقاء في بلد مزقته الحرب. تعتمد هذه المهنة على مهارة يدوية ودقة فنية، حيث يقوم النحاتون بنقش أسماء المتوفين وتواريخ ميلادهم ووفاتهم على شواهد القبور، بالإضافة إلى زخارف ورموز دينية أو شخصية تعبر عن هوية المتوفى.

وبدأت هذه المهنة تأخذ طابعاً مهماً في سوريا مع تزايد أعداد القتلى بسبب الحرب، مما أدى إلى زيادة الطلب على شواهد القبور. فبعد أن كانت هذه الشواهد تُصنع ببساطة من الحجر أو الخشب، أصبحت الآن تحتاج إلى مزيد من التفاصيل والدقة، خاصة مع رغبة الأهالي في تخليد ذكرى أحبائهم بشكل لائق. يعمل النحاتون في ورش صغيرة غالباً ما تكون قريبة من المقابر، حيث يقومون بتقطيع الأحجار وتشكيلها يدوياً أو باستخدام آلات بسيطة، ثم يبدأون عملية النحت التي تتطلب صبراً ومهارة عالية.

ويعتمد السوريون العاملون في هذه المهنة على عدة عوامل لكسب قوت يومهم. أولاً، هناك الحاجة المستمرة لشواهد القبور بسبب استمرار الوفيات الناتجة عن ظروف الحرب أو الحياة الصعبة. ثانياً، يحرص الأهالي على اختيار شواهد مميزة لأقاربهم، مما يدفعهم إلى دفع مبالغ أكبر للحصول على شاهد فريد يعبر عن شخصية المتوفى. بعض النحاتين يضيفون لمسات فنية مثل نقش الآيات القرآنية أو الصلبان حسب ديانة المتوفى، أو حتى رسم زهور وأشجار رمزية، مما يجعل الشاهد أكثر قيمة معنوية ومادية.

لكن هذه المهنة لا تخلو من التحديات. فالعمل في نحت شواهد القبور يتعرض لضغوط نفسية كبيرة، حيث يكون النحاتون على اتصال دائم بأحزان الناس وفواجعهم. كما أن الظروف الاقتصادية الصعبة في سوريا تجعل من الصعب على الكثيرين تحمل تكاليف شواهد باهظة الثمن، مما يضطر النحاتين إلى خفض الأسعار أو العمل بأسعار رمزية أحياناً. بالإضافة إلى ذلك، فإن نقص المواد الخام مثل الأحجار الجيدة أو أدوات النحت بسبب الحصار الاقتصادي يجعل العمل أكثر صعوبة.

على الرغم من هذه التحديات، فإن مهنة نحت شواهد القبور تبقى مهنة شريفة بالنسبة للكثيرين، فهي تساعد العائلات على إحياء ذكرى أحبائهم وتوفر لقمة العيش للنحاتين الذين وجدوا فيها مهنة تستحق العناء. بعض النحاتين السوريين أصبحوا معروفين بجودة عملهم، مما جعلهم يستقبلون طلبات حتى من خارج المدن التي يعملون فيها. كما أن بعض المنظمات الإنسانية بدأت تهتم بهذا الجانب، حيث توفر أحياناً مواد خام أو أدوات للنحت لدعم هؤلاء العمال.

وتعكس هذه المهنة جانباً من مأساة الشعب السوري الذي اضطر إلى ابتكار سبل جديدة للعيش في ظل الظروف القاسية. فالنحاتون الذين يعملون على تخليد ذكرى الموتى هم أنفسهم يعيشون يومهم وسط صعوبات لا تقل قسوة، لكنهم يصمدون أمامها بكرامة وصبر. مهنة نحت شواهد القبور ليست مجرد مصدر رزق، بل هي أيضاً رسالة إنسانية تذكر العالم بأن كل حياة فقدت في سوريا تستحق أن تُخلّد، ليس فقط على الحجر، بل في الذاكرة والوجدان.

- Advertisement -

- Advertisement -