حمص/ بسام الحمد
على الرغم من مرور سنوات على انتهاء العمليات العسكرية في ريف حمص وعودة الأمان النسبي للمنطقة، لا يزال عشرات الآلاف من السكان عاجزين عن إصلاح منازلهم المتضررة بسبب القيود القانونية والإدارية المشددة التي تفرضها السلطات المحلية. ففي مدن مثل الرستن وتلبيسة والقصير، يواجه الأهالي عراقيل مستمرة تمنعهم حتى من إجراء أبسط أعمال الترميم، بحجة مخالفة القوانين التنظيمية أو عدم توافقها مع المخططات المستقبلية للمنطقة.
أبرز هذه القوانين هو القانون رقم 40 لعام 2012، الذي يمنح السلطات صلاحية إزالة أي بناء يعتبر مخالفاً دون تمييز بين حالة وأخرى. لكن القانون الأكثر إثارة للقلق هو القانون رقم 10 لعام 2018، الذي يسمح بإنشاء مناطق تنظيمية جديدة ويشترط على المالكين إثبات ملكيتهم خلال مهلة قصيرة، وإلا يتم مصادرة العقار دون تعويض. هذه الإجراءات تسببت في حالة من الخوف الدائم بين السكان، الذين يعيشون في منازل مدمرة جزئياً أو كلياً، غير قادرين على ترميمها خوفاً من المصادرة أو الهدم.
يقول أبو علي (48 عاماً)، أحد أهالي الرستن: “منزلي تعرض لقصف عنيف خلال المعارك، لكن الجدران الخارجية ما زالت قائمة. حاولت عدة مرات إصلاح السقف المتداعي، لكن لجنة من البلدية جاءت وأوقفت العمل وهدمت ما بنيته. أملك سند ملكية يعود إلى أكثر من 30 عاماً، فكيف أصبح بيتي فجأة مخالفاً؟”.
أما أم محمد (42 عاماً)، وهي نازحة عادت مؤخراً إلى منزلها في تلبيسة بعد سنوات من اللجوء، فتقول: “وجدت منزلي مهدمًا جزئيًا، وحاولت إصلاح الغرف التي ما زالت صالحة للسكن، لكن السلطات المحلية منعتني من إدخال مواد البناء، بحجة أن المنطقة ستدخل ضمن مخطط تنظيمي جديد. الآن أعيش مع أطفالي في غرفة واحدة، بينما بقية المنزل مهدم”.
بدوره، يروي أبو ياسر (60 عاماً) من سكان القصير معاناته قائلاً: “منذ خمس سنوات وأنا أعيش في خيمة بجانب منزلي المدمر. كلما جمعت بعض المال لإصلاح جزء منه، تمنعني البلدية بحجة أن المنطقة غير مسموح فيها بالترميم. لا أحد يخبرنا ما هو التصنيف الجديد للمنطقة، ولا متى سنتمكن من إعادة بناء منازلنا”.
تعاني العائلات العائدة إلى حمص وريفها من صعوبات كبيرة في تأمين السكن، حيث تصل إيجارات الشقق في بعض الأحياء إلى مبالغ خيالية تصل إلى مليوني ليرة سورية شهرياً (ما يعادل حوالي 200 دولار)، وهو مبلغ لا يستطيع معظم السكان تحمله في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة. وفي محاولة لتجنب دفع هذه الإيجارات الباهظة، يلجأ الكثيرون إلى ترميم منازلهم المتضررة بأنفسهم، لكن البلديات تقوم بإزالة هذه الترميمات بحجة أنها مخالفة، مما يدفع العائلات إلى العيش في ظروف غير إنسانية.
وفي هذا السياق، يقول المهندس وائل الحمصي، أحد المسؤولين في مديرية الخدمات الفنية في حمص، إن الترميم مسموح به في حال كانت الأضرار جزئية وكانت السلامة الإنشائية للمبنى محققة. ويضيف: “لدينا لجان فنية تقيّم حالة الأبنية المتضررة وتحدد إمكانية ترميمها أو ضرورة هدمها. لكن المشكلة تكمن في أن بعض المناطق لا تزال غير مصنفة ضمن المخططات التنظيمية الجديدة، مما يعيق عملية منح التراخيص”.
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن ريف حمص كان من أكثر المناطق تضرراً خلال سنوات الحرب، حيث تعرضت مدن مثل الرستن وتلبيسة والقصير لتدمير كبير وصل في بعض الأحياء إلى 70% من المباني. وتقدر كمية الأنقاض في ريف حمص بنحو 4 ملايين طن، مما يجعل عملية إزالتها وإعادة البناء مهمة شاقة تتطلب تخطيطاً طويل الأمد وتمويلاً ضخماً.
ويوضح المهندس المعماري محمد العلي أن المشكلة لا تقتصر على الأنقاض، بل تتعداها إلى عدم وضوح الرؤية الحكومية حول آلية إعادة الإعمار. ويقول: “بعض المناطق تحتاج إلى إعادة تنظيم كاملة للبنية التحتية، لكن غياب التمويل وعدم وجود خطة واضحة يجعلان السكان عاجزين عن اتخاذ أي خطوة نحو إصلاح منازلهم”.
إلى جانب القيود القانونية، يعاني السكان من صعوبة الحصول على قروض أو مساعدات مالية لترميم منازلهم. فمع أن المصارف الحكومية تعلن عن برامج قروض لإعادة الإعمار، إلا أن العديد من سكان ريف حمص يؤكدون أن طلباتهم ترفض دون أسباب واضحة.
يقول أبو أحمد (55 عاماً) من أهالي تلبيسة: “تقدمت بطلب قرض لترميم منزلي منذ أكثر من عام، وقدمت كل الأوراق المطلوبة، لكن البنك رفض الطلب دون إبداء أسباب. الموظفون يقولون إن المنطقة غير مؤهلة للقروض، لكن لا أحد يخبرنا متى ستكون مؤهلة”.
في ظل عدم وجود خطة واضحة لإعادة الإعمار، واستمرار تطبيق القوانين التي تحد من الترميم، يجد الكثير من أهالي حمص وريفها أنفسهم أمام خيارين صعبين: إما البقاء في منازل مدمرة غير صالحة للسكن، أو دفع إيجارات باهظة لا يقدرون عليها.