لكل السوريين

المرأة وصناعة القرار.. بين التحديات المجتمعية ومتطلبات التمكين

تواصل المجالس والمراكز المتخصصة في قضايا المرأة جهودها الرامية إلى النهوض بالمرأة وتعزيز مشاركتها في مختلف مجالات الحياة وعلى رأسها الحياة السياسية، حيث تسعى هذه المؤسسات إلى كسر القيود المفروضة عليها نتيجة لعادات وموروثات لا تمت إلى الأحكام والتعاليم الدينية بصلة بل تستند إلى مفاهيم متعصبة ومتشددة لا أساس لها من الشرع الصحيح، وإنما تعبر عن أهواء البعض ومعتقداتهم الخاصة ونظرتهم المحدودة للحياة.

وتُعد قضية مشاركة المرأة في الحياة السياسية قضية شاملة لا تقتصر على جانب معين فهي تبدأ من حقها في التصويت في الانتخابات، وصولاً إلى حقها في الترشح لتمثيل الشعب في المجالس النيابية والبلدية وتولي الحقائب الوزارية.

ولكي تتمتع المرأة بقدر فعال من المشاركة السياسية لا بد من مراعاة عدة اعتبارات أولها الجانب التعليمي والثقافي، إذ يجب تعزيز تعليم المرأة وتمكينها من مواصلة تحصيلها العلمي حتى أرفع الدرجات وعدم الاكتفاء بتعليم محدود، حيث أن قلة التعليم غالباً ما تقترن بالزواج المبكر الذي يحد من فرصها ويؤثر سلباً على صحتها العامة والإنجابية ويمنعها من استكمال مشوارها التعليمي، بسبب ما ينتج عنه من مشكلات أسرية واجتماعية تؤثر على صفاء فكرها وقدرتها على التفرغ للعلم.

وتعتبر قضية تعليم المرأة إحدى القضايا الأساسية في عملية التنمية بشكل عام وليس فقط في الجانب السياسي، وقد أكدت المواثيق الدولية والدساتير الوطنية على أهمية ترسيخ هذا الحق وتعزيزه باعتبار أن العلم هو حجر الأساس لتقدم المجتمعات، لكن ما زال هناك من يرى أن مكان المرأة هو منزل الزوجية فقط وأن دورها خارج هذا الإطار وهم وتقليد للغرب يتعارض مع الشرع حسب تعبيرهم.

أما البعد الثقافي فلا يقل أهمية عن الجانب التعليمي إذ أن الموروثات الثقافية الخاطئة ما زالت تكرس صورة نمطية للمرأة، على أنها كائن غير مؤهل للمشاركة في الثقافة أو السياسة وحصرها في المهام المنزلية فقط، رغم أن التشريعات القانونية تكرس المساواة وتدعو إلى مجتمع متماسك إلا أن بعض العقليات تجاوزت هذه القوانين واستمرت في النظرة الدونية للمرأة.

ويترتب على ذلك دور حيوي للمؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني في نشر الوعي بأهمية مشاركة المرأة في الحياة السياسية، وفتح الطريق أمامها لتمكينها ودعمها ومساندتها في الحياة العامة وصناعة القرار خاصة أنها تمتلك القدرة على المساهمة في وضع استراتيجيات وحلول واقعية لمشكلات المجتمع.

أما الاعتبار الثاني فيتمثل في الجانب الاجتماعي والاقتصادي إذ أن المرأة العربية لا تزال تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية تحول دون مشاركتها السياسية، وهذه التحديات تتطلب خططاً عملية واقعية بعيدة عن الخطابات العامة والندوات النظرية فالكثير من النساء يعانين من أوضاع معيشية صعبة نتيجة الطلاق المتزايد والأزمات المادية التي تصل إلى عدم توفر الحد الأدنى من الغذاء ما يضطرهن إلى الانشغال بتأمين الأساسيات ويبعدهن عن التفكير في السياسة.

ولا يمكن تصور مشاركة المرأة في الحياة السياسية وهي بلا مأوى أو مصدر دخل وتعاني من الديون التي قد تعرضها للسجن بسبب أحكام قضائية ناجمة عن قروض ذات فوائد مرتفعة اقترضتها لتأمين مستلزمات المعيشة وهو ما يعكس واقعا قاسيا يستدعي التدخل والمعالجة.

ومن هنا تبرز الحاجة لإدراج قضايا المرأة التعليمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية في أولويات الحكومات والمؤسسات والمنظمات المعنية، حتى تتمكن المرأة من المشاركة الفعالة في الحياة السياسية ويجب ألا تقتصر مشاركتها على متابعة الشأن العام بل أن يكون لها الحق في الترشح وتقلد المناصب السياسية العليا.

وتحقيق هذا الهدف يتطلب إجراءات تشريعية وتنفيذية ومجتمعية تبدأ من الجانب التشريعي، من خلال إعداد وسن قوانين تضمن التمييز الإيجابي للمرأة وتضمن لها نسبة دنيا من التمثيل في البرلمان والمجالس المحلية ويجب أن تكون هذه القوانين دائمة لا مؤقتة حتى لا يتم التراجع عنها بحجة أن التمكين كان مؤقتاً وأن المرأة أصبحت قادرة على المنافسة دون حماية تشريعية.

أما من الجانب التنفيذي فعلى الحكومات أن تتيح للمرأة فرص المشاركة في الحياة العامة، عبر تقديم مشاريع قوانين تضمن تمثيلها وتعيينها في المناصب القيادية وعدم الاكتفاء بالدراسات النظرية بل يجب أن ينعكس ذلك في الواقع من خلال إجراءات فعلية تعكس التزام الدولة بتمكين المرأة.

وعلى الصعيد المجتمعي تتحمل جميع فئات المجتمع مسؤولية كبيرة في الاعتراف بدور المرأة ودعم مشاركتها السياسية والتخلي عن المعتقدات التي تحصرها في دور الأسرة فقط، بل لا بد من توسيع دائرة المشاركة السياسية لتشمل الجميع رجال ونساء على حد سواء من خلال تبادل الرؤى والعمل على تحقيق مصلحة الوطن.

وفي هذا السياق يجب على منظمات المجتمع المدني أن تقوم بدورها الحقيقي والملموس في حملات التوعية خاصة الموجهة للرجال لحثهم على دعم النساء وإيمانهم بقدراتهن وعدم الاكتفاء بالأنشطة الشكلية التي تستهلك الدعم دون أن تحقق فائدة حقيقية.

وفي الختام فإن إرادة المرأة السياسية يجب أن تكون حاضرة وفاعلة وعليها أن تبادر إلى المشاركة وتؤمن بأهمية دورها في العمل السياسي سواء من خلال التصويت أو الترشح أو السعي لتولي المناصب العامة، ليكون لها دور أساسي في الحياة السياسية وصناعة القرار والمساهمة في بناء وطنها.

- Advertisement -

- Advertisement -