تشهد محافظة حماة هذه الأيام موسم تين استثنائياً بكل المقاييس، لكن ليس كما اعتاد المزارعون أن يكون، فبدلاً من أن تملأ سلال التين الفاخر الأسواق كما في كل عام، تحولت مزارع التين البعلي في مناطق مصياف والقرى المحيطة إلى مشاهد تكاد تكون مؤلمة، حيث تتدلى من الأشجار ثمار صغيرة الحجم، باهتة اللون، تفتقر إلى ذلك المذاق الحلو الذي تشتهر به المنطقة. هذا المشهد المؤسف ليس سوى النتيجة المرئية لأزمة جفاف غير مسبوقة تضرب المنطقة، تاركةً وراءها سلسلة من الخسائر الفادحة التي تهدد مصدر رزق مئات العائلات.
يصف المزارع أبو محمود (54 عاماً) من قرية السعن الواقعة غرب مصياف الحالة بقوله: “زرعت التين منذ أكثر من عشرين عاماً، ولم أشهد موسماً كارثياً مثل هذا العام. الأشجار التي كانت تثمر بكثافة وتحمل ثماراً كبيرة الحجم وحلوة المذاق، أصبحت اليوم تحمل ثماراً صغيرة وجافة، وكأنها تئن من العطش”.
ويضيف أبو محمود، الذي يعول أسرة مكونة من سبعة أفراد، أن أسعار التين انخفضت إلى أقل من الثلث، حيث كان سعر الكيلوغرام يصل إلى 30 ألف ليرة سورية في المواسم السابقة، بينما لا يتجاوز الآن 10 آلاف ليرة، وهو سعر لا يغطي حتى تكاليف الجني والنقل.
ولم تقتصر الأزمة على انخفاض الأسعار، بل امتدت إلى رفض التجار شراء المحصول بسبب تدني جودته. المزارع خالد الحسن (42 عاماً) من قرية بيت سويس يشرح كيف تحول من بائع للتين الطازج إلى منتج للتين المجفف: “اضطررت إلى تجفيف معظم محصولي لأن التجار رفضوا شراءه طازجاً. النتيجة أنني سأخسر أكثر من 60% من دخل الموسم، لكنها أفضل من لا شيء”. ويشير إلى أن عملية التجفيف نفسها تتطلب جهداً إضافياً وتكاليف جديدة في وقت يعاني فيه المزارعون من شح الموارد.
ويوضح المهندس الزراعي معن الزهراوي أن أزمة التين هذا العام لها أسباب متعددة، لكن الجفاف كان العامل الحاسم. يقول الزهراوي: “شهدت المنطقة انخفاضاً حاداً في معدلات هطول الأمطار خلال الشتاء الماضي، حيث لم تتجاوز 150 ملم مقارنة بمتوسط 350 ملم في السنوات السابقة. هذا التراجع الكبير في كميات المياه، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة مبكراً هذا الصيف، أدى إلى إجهاد الأشجار وعدم قدرتها على إنتاج ثمار ذات مواصفات جيدة”.
وتكشف البيانات الصادرة عن مديرية الزراعة في حماة عن صورة قاتمة، حيث تشير التقديرات إلى أن إنتاج التين في المنطقة انخفض بنسبة تتراوح بين 60-70% هذا الموسم، كما أن 80% من المحصول لا يلبي المواصفات التجارية المعتادة. هذه الأرقام تنذر بكارثة حقيقية لمزارعي التين الذين يعتمدون على هذا المحصول لتأمين مداخيلهم السنوية.
في قرية بيت سويس، تجلس أم محمد (48 عاماً) أمام منزلها المتواضع وهي تقشر كمية قليلة من التين المجفف الذي تمكنت عائلتها من جمعه. تقول بحسرة: “في السنوات الماضية، كنا نبيع التين الطازج ونحتفظ بكميات كبيرة للتجفيف واستهلاك الشتاء. هذا العام، لن نتمكن حتى من تأمين حاجتنا من القطين (التين المجفف)”. وتضيف أن عائلتها اضطرت إلى شراء التين من السوق لتجفيفه، وهي مفارقة مؤلمة لعائلة اعتادت أن تكون مصدراً لهذه المادة.
أمام هذا الوضع الصعب، يتساءل المزارعون عن سبب استثنائهم من خطة الدعم التي أعلنت عنها وزارة الزراعة بالتعاون مع برنامج الغذاء العالمي، والتي تشمل 33 ألف فلاح متضرر من الجفاف في محافظات أخرى. المزارع أحمد (50 عاماً) يعبر عن استيائه: “لماذا يتم تهميش مزارعي التين؟ ألسنا نحن أيضاً ضحايا الجفاف؟ التين مصدر رزق رئيسي لمئات العائلات هنا، ويجب أن يحصل منتجوه على نفس الدعم المقدم لمزارعي القمح والخضروات”.
من جهتها، تؤكد مصادر في مديرية الزراعة بحماة أن المحافظة قدمت طلباً رسمياً لإدراج مزارعي التين ضمن خطة الدعم، لكن القرار النهائي يعود إلى الوزارة المركزية. وتشير المصادر إلى أن المديرية تعمل على توزيع كميات محدودة من الأعلاف المدعومة لمساعدة المزارعين في تغذية مواشيهم، كإجراء مؤقت للتخفيف من حدة الأزمة.
ولا تقتصر الأزمة على التين وحده، فبحسب تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، تشهد سوريا أسوأ موسم زراعي منذ ستة عقود، حيث تضرر قرابة 2.5 مليون هكتار من الأراضي المزروعة بالقمح، مع توقعات بانخفاض إنتاج القمح المروي بنسبة 30-40%. هذه الأرقام تنذر بأزمة غذائية حادة في البلاد، خصوصاً أن محصول التين، رغم أهميته الاقتصادية والغذائية، لم يحظَ بالاهتمام الكافي في خطط الطوارئ.
في قرية القنية بريف مصياف، يحاول المزارع أبو ياسر (60 عاماً) أن يجد جانباً إيجابياً في الكارثة التي حلت بمحصوله: “رب ضارة نافعة، هذا الموسم السيئ علمني أن لا أعتمد على محصول واحد. في الموسم القادم، سأزرع خضروات بجانب أشجار التين، حتى إذا تعرض أحد المحصولين للضرر، يكون لدي مصدر دخل آخر”. لكن هذه الروح الإيجابية لا تخفي الحقيقة المرة التي يعيشها مئات المزارعين الذين خسروا مصدر رزقهم الرئيسي هذا العام.
وتمثل أزمة التين في حماة نموذجاً صارخاً لتأثير التغيرات المناخية على القطاع الزراعي، وتذكيرًا قاسيًا بمدى هشاشة الوضع الغذائي في سوريا في ظل الظروف الراهنة. فبينما تكافح العائلات لتأمين قوت يومها، تبرز الحاجة الملحة إلى سياسات زراعية أكثر مرونة، وخطط دعم شاملة، واستثمارات جادة في نظم الري الحديثة، لأن مستقبل الزراعة في سوريا، كما يبدو، لن يكون كالماضي.