لكل السوريين

إزالة البسطات في حلب… تنظيم أم قرارات فوقية تعمّق معاناة الفقراء؟

حلب/ خالد الحسين

في خطوة أثارت الكثير من الجدل والاستياء الشعبي، أقدمت بلدية حلب خلال الأيام الماضية على تنفيذ حملة واسعة لإزالة البسطات العشوائية المنتشرة في عدد من شوارع المدينة، أبرزها تلك المحيطة بالحديقة العامة في مركز المدينة، إضافة إلى بسطات في أحياء الجميلية والسليمانية وصلاح الدين وشارع النيل.

وبينما تروج الجهات الرسمية للحملة على أنها تهدف إلى تحسين مظهر المدينة وتخفيف الضغط عن الطرقات، يرى كثير من المواطنين، خصوصاً أصحاب البسطات، أنها مجرد إجراء فوقي لا يراعي أوضاع الناس المعيشية، ويعكس انفصالاً واضحاً بين قرارات الحكومة الانتقالية وواقع الشارع الحلبي.

بلدية حلب تتحدث عن تنظيم، بينما يُترك العشرات من أصحاب البسطات في العراء دون بديل أو حتى وعود جادة. لا خطط واضحة، ولا مواقع بديلة، ولا حتى إجراءات تخفيفية تساعد هؤلاء على تجاوز الصدمة الاقتصادية التي لحقت بهم. وكأن تحسين صورة الأرصفة بات أكثر أهمية من تأمين لقمة العيش للمواطن، في مدينة أنهكتها الحرب والغلاء والبطالة. القرارات تأتي، كالعادة، من خلف المكاتب، دون أي تواصل حقيقي مع من سيتضرر منها.

والتقى مراسل صحيفة “السوري” مع أحمد دياب، أحد أصحاب البسطات الذين تمت إزالة مصدر رزقهم أمام الحديقة العامة، يقول لصحيفة “السوري”: “لي أكثر من خمس سنوات أعمل هنا. لم أمد يدي لأحد، ولم أسرق، بل كنت أعيش بكرامة من هذه البسطة. فجأة جاؤوا وأزالوها وكأننا عالة على المدينة. أين نذهب؟ من يعيل أطفالي؟ هل هناك أحد في البلدية سأل نفسه هذا السؤال؟”.

حديث أحمد يختصر شعور الغضب الذي يملأ أصحاب البسطات هذه الأيام، فالقرار لم يكن مصحوباً بأي خطة بديلة أو حلول إنسانية، بل كان أقرب إلى العقوبة الجماعية للفقراء. في الوقت الذي تغيب فيه فرص العمل الحقيقية، وتغيب فيه الرقابة عن الأسعار، وتغيب فيه الحكومة عن مسؤولياتها الاقتصادية، تظهر فجأة لإزالة بسطات بسيطة يشكل بعضها وسيلة العيش الوحيدة لعائلات بأكملها.

لكن الصورة ليست موحدة تماماً، فبعض أصحاب المحال التجارية عبّروا عن ارتياحهم للقرار، معتبرين أن البسطات أثرت سلباً على أعمالهم. يوسف الحسين، صاحب محل في الجميلية، يقول: “نحن ندفع الإيجارات والضرائب ونلتزم بالقانون، بينما كان البائع المتجول يضع بضاعته أمام باب محلي ويبيع بأسعار أقل. الوضع لم يكن عادلاً. مع ذلك، لا أؤيد طردهم من الشوارع دون إيجاد بدائل. التنظيم لا يعني الطرد”.

من جانبها، اكتفت بلدية حلب بتبرير الحملة على لسان أحد مسؤوليها وقال بأن القرار جاء بعد شكاوى من المواطنين وأصحاب المحلات، والبسطات كانت تخلق فوضى وتشوه المدينة. نحن ندرس حالياً تخصيص أماكن بديلة، لكن لا يمكن ترك الوضع على ما هو عليه”. إلا أن هذه التصريحات، وكغيرها من الوعود السابقة، تفتقر إلى تفاصيل واضحة، ولا تحمل أي التزام زمني أو خطة قابلة للتطبيق.

المشكلة لا تكمن فقط في إزالة البسطات، بل في العقلية التي تدير هذه الملفات، والتي ما زالت تتعامل مع قضايا الناس بسياسات عشوائية، دون إشراك المتضررين أو مراعاة أوضاعهم. بدل أن تكون الحكومة داعمة للناس في وقت الأزمات، تبدو أحياناً كأنها تعاقبهم على فقرهم، باسم التنظيم والمظهر العام.

وبينما تستمر الجهات الرسمية في تبرير قراراتها، يبقى عشرات الباعة بلا مصدر دخل، وبلا بدائل، وبلا من يسمع صوتهم. فهل يُعقل أن يصبح الأرصفة أهم من البشر؟ وهل المطلوب من الفقير أن يتبخر من الشارع كي “تبدو المدينة أجمل”؟ هذه الأسئلة باتت تتكرر كثيراً في شوارع حلب، ولكن دون أجوبة من أحد.

- Advertisement -

- Advertisement -