السوري/ حلب
تشهد مدينة حلب في السنوات الأخيرة ظاهرة متصاعدة تتمثل في ارتفاع المهور بشكل غير مسبوق، ما خلق أزمة اجتماعية واضحة، وألقى بظلال ثقيلة على شريحة كبيرة من الشباب الراغبين في الزواج. هذه الظاهرة، التي كانت في السابق مرتبطة بالمكانة الاجتماعية أو المستوى الاقتصادي، باتت اليوم ظاهرة عامة تمتد عبر معظم الأحياء، سواء الغنية أو الفقيرة، وتحولت إلى عقبة حقيقية تهدد توازن العلاقات الأسرية، وتهدد بخلق فجوة في النسيج المجتمعي.
وفي حديثه لـ”السوري”، عبّر محمد، شاب يبلغ من العمر 29 عاماً، يعمل موظفاً في إحدى الدوائر الحكومية، عن إحباطه الشديد من الواقع الحالي، قائلاً:
“راتبي الشهري كان لا يتجاوز 400 ألف ليرة سورية، ولو ادخرت كامل راتبي لمدة سنة، فلن أستطيع تأمين نصف المهر المطلوب حالياً. نحن لا نطلب الزواج من طبقة الأغنياء، بل من أسر عادية، لكن المتطلبات باتت فوق طاقتنا”.
ويضيف بأسى: “لا أستطيع حتى التفكير بتكوين أسرة، رغم أنني في سن الزواج، لأنني بكل بساطة عاجز مادياً عن تلبية الشروط المفروضة”.
في المقابل، ترى بعض الفتيات أن غلاء المهور ليس دائماً نتيجة جشع الأهل، بل يعود في كثير من الأحيان إلى الضرورات المعيشية التي لا يمكن تجاهلها. وتقول رنا، طالبة جامعية في كلية الحقوق:
“نحن لا نؤيد المغالاة في المهور، لكن هناك حاجات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في الزواج، مثل شراء الذهب والملابس وتجهيز المنزل. الأوضاع الاقتصادية صعبة على الجميع، والبنت أيضاً تحتاج لضمان حد أدنى من الكرامة والاستقرار في حياتها الجديدة.
ويعزو خبراء اجتماعيون واقتصاديون أسباب هذا الغلاء في المهور إلى عدة عوامل متشابكة، في مقدمتها التدهور الاقتصادي المستمر في سوريا، والانخفاض الحاد في قيمة العملة المحلية، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار المواد الأساسية، لا سيما الذهب، الذي يُعد من العناصر الأساسية في تكوين المهر.
كما ساهمت الهجرة الداخلية والخارجية لفئات ميسورة نحو المدينة في خلق حالة من التفاوت الاجتماعي، مما رفع من سقف التوقعات لدى بعض العائلات. وترافق هذا مع تقاليد اجتماعية راسخة ترى في المهر مؤشراً على قدرة الشاب المادية وتحمله للمسؤولية، وهو ما يدفع بعض الأسر إلى المغالاة في المهور لضمان ما تراه “مستقبلاً آمناً” لبناتها.
وفي ظل هذا الواقع المعقد، يرى مختصون اجتماعيون أن الحلول لا تكمن فقط في انتقاد الظاهرة، بل في تبني رؤية مجتمعية جديدة تقوم على التوعية، وتخفيف التكاليف، والابتعاد عن مظاهر التفاخر والتباهي. كما يدعون إلى تشجيع المبادرات الأهلية التي تدعو إلى الزواج الجماعي، وتقديم تسهيلات حقيقية أمام الشباب المقبلين على الزواج.
ويؤكد المختصون أن رجال الدين والمثقفين تقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة في نشر ثقافة التيسير، وتعزيز مفهوم الزواج القائم على المودة والتفاهم، وليس على الشروط المالية أو الأعباء التي قد تبدأ الزواج بأزمات ومشاكل.
وفي الوقت الذي تتفاقم فيه هذه الظاهرة، يبقى حلم الزواج في حلب مؤجلاً بالنسبة لكثير من الشباب، بانتظار تحسّن الأوضاع أو تغيير في النظرة الاجتماعية. ومع كل ذلك، لا يزال الأمل قائماً بأن تنخفض المهور، وتعود الحياة الزوجية إلى مسارها الطبيعي، بعيداً عن التكاليف الباهظة والمعايير غير الواقعية التي باتت تعيق الاستقرار الأسري وتؤخر تكوين العائلات.