وسط التحولات الكبرى التي تضرب الشرق الأوسط، ومع تفكك الدول المركزية وإعادة تشكيل الهويات في المنطقة، تعود الطائفة الدرزية في سوريا إلى الواجهة بوصفها مكوّناً متماسكاً، يصعب إذابته أو تجاهله، ففي الوقت الذي تنقسم فيه البلاد على أسس طائفية وسياسية، يبدو أن الدروز، كعادتهم عبر التاريخ، يسلكون طريقاً ثالثاً، لم يكونوا مع النظام ولا ضده، ولا مع المعارضة ولا خصومها، بل مع الجبل والكرامة.
لكن هذه الهوية التي تبدو مغلقة من الخارج، تخفي وراءها تعقيداً دينياً وفلسفياً وسياسياً عميقاً، يجعل من الطائفة إحدى أكثر الأقليات نفوذاً وتأثيراً في سوريا ولبنان، رغم قلة عددها.
ويعود أصل الدروز إلى تحالف قبلي قديم يُعرف باسم “تنوخ”، نشأ في القرن الثاني الميلادي في شبه الجزيرة العربية، وضم قبائل مثل قضاعة، لخم، تيم، وربيعة، ارتحل هذا التحالف إلى العراق ثم بلاد الشام، واستقر أفراده في المناطق الجبلية الوعرة التي وفّرت لهم الحماية من الغزوات والتقلبات السياسية.
ومع بداية القرن الحادي عشر، وتحديداً في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، ظهرت الدعوة التوحيدية على يد الداعية حمزة بن علي الزوزني، تبنّت هذه الدعوة مذهباً فلسفياً باطنياً، يعتبر أن الحاكم هو تجلٍّ إلهي، ويُقدّم تأويلاً غير تقليدي للنصوص الإسلامية، مستمداً من الفلسفة الأفلاطونية الحديثة والغنوصية والمعتقدات الشرقية القديمة.
في عام 1043، أُغلق باب الدخول إلى المذهب، ما جعله ديناً مغلقاً لا يُسمح بالدخول إليه بل يُورث فقط، وهذا الانغلاق ساهم في تكوين هوية إثنية-دينية متماسكة، لم تنصهر في المجتمعات المحيطة بها.
عقيدة تتجاوز الظاهر وتحتكم للعقل
تُعد العقيدة الدرزية واحدة من أكثر العقائد الدينية سرية في العالم الإسلامي، وهي تُبنى على مفهوم “التوحيد العقلي” لا الطقسي، وترفض الطقوس الظاهرة كالصلاة، والصيام، والحج، وتعتبرها ممارسات سطحية، لا تُفضي إلى معرفة الله.
وينقسم المجتمع الدرزي إلى فئتين، الجهّال وهم عامة الناس الذين لا يطّلعون على مضامين العقيدة، والعقلاء وهم النخبة الروحية الذين يعيشون الزهد، ويُسمح لهم بدراسة كتب الحكمة وعددها 111 رسالة.
ومن المعتقدات الأساسية في الفكر الدرزي، الإيمان بتناسخ الأرواح (التقمص)، حيث تنتقل الروح بعد الموت مباشرة إلى جسد آخر، وجود خمس قوى كونية تُجسّدها ألوان العلم الدرزي (الأخضر، الأحمر، الأصفر، الأزرق، الأبيض)، وترمز إلى العقل، النفس، الكلمة، السابق، والتالي، كما تُرفض الشفاعة، والطقوس الظاهرية، والتمسك بالعقل كوسيلة وحيدة للوصول إلى الخالق.
وهذا المزيج من الفلسفة والعرفانية والسرية جعل الطائفة عرضة للاتهام بالزندقة من قبل التيارات الدينية التقليدية، وأدخلها في عزلة دفاعية عبر التاريخ.
ويعرف الدروز جيداً أن الجغرافيا كانت دوماً حليفهم الأول، فقد اختاروا الاستقرار في جبال وعرة وصعبة التضاريس، مثل جبل العرب (السويداء)، وجبل لبنان، وجبل السماق، والكرمل، وهي مناطق يصعب السيطرة عليها، وتمنحهم استقلالاً نسبياً.
التوزع الجغرافي للدروز
ويتوزع الدروز اليوم في أربع دول رئيسية سوريا (700 ألف)، ويتركزون في محافظة السويداء، وريف دمشق، والحضر في القنيطرة، وجبل السماق في إدلب، وفي لبنان (250 ألفاً) يعيشون في الشوف، عاليه، وراشيا، ويشكّلون إحدى الطوائف المعترف بها رسمياً من قبل الحكومة اللبنانية، أما في إسرائيل (150 ألفاً) ويقطنون في الجليل والكرمل، ويمثلون أقلية فاعلة في الجيش والمؤسسات، وفي الأردن (نحو 10 آلاف) يتركزون في الزرقاء، ولا يتمتعون بتمثيل سياسي مؤثر.
ولا يكتمل الحديث عن الطائفة الدرزية دون التوقف عند سلطان باشا الأطرش، القائد التاريخي للثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي عام 1925، قاد الأطرش الانتفاضة من السويداء، ورفض عرض الفرنسيين بإقامة “دولة درزية”، مصرًا على وحدة التراب السوري.
وأصبحت صورته رمزية وطنية جامعة، ولا تزال تُرفع في المظاهرات التي تخرج اليوم في السويداء ضد الاستبداد، رغم مرور قرن على وفاته.
وتنوعت المواقف الدرزية إزاء النظام السوري، ففي فترة حكم نظام البعث حافظت الطائفة على علاقة متوترة مع النظام، وجرى تعيين بعض الضباط والوزراء من أبنائها، دون أن تنال حصة حقيقية في السلطة.
ومع بداية الثورة السورية عام 2011، التزمت الطائفة الدرزية الحياد في الصراع، لكنها واجهت لاحقاً خطرين متوازيين التجنيد الإجباري من قبل النظام، والاقتحامات من قبل تنظيم “داعش”، هنا برز الشيخ وحيد البلعوس، الذي أسّس “مشايخ الكرامة” في السويداء، ورفض إرسال شباب الطائفة إلى القتال مؤكداً أن “الدم لا يُعطى مجاناً”.
واغتيل البلعوس في تفجير غامض عام 2015، وواصل ابنه ليث البلعوس قيادة قوات الكرامة، التي تُعد اليوم أبرز فصيل محلي مستقل في الجنوب السوري.
وإلى جانبه برزت أسماء أخرى مثل، الشيخ حكمت الهجري المرجع الروحي الأهم حالياً، والشيخ يوسف جربوع كان يتزعم التيار المؤيد للنظام داخل الطائفة، لكنه خسر شعبيته بعد أحداث 2023.
في جبل السماق بإدلب، عاش نحو 14 ألف درزي تحت سيطرة “هيئة تحرير الشام”، تعرضوا لانتهاكات جسيمة، أبرزها مجزرة قلب لوزة عام 2015، ومنذ ذلك الوقت، يعيش دروز إدلب على خط رفيع بين البقاء والاختفاء.
ويُجبر دروز الداخل الفلسطيني على الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، وهو ما جعلهم محل جدل داخل مجتمعهم، برز منهم ضباط كبار، لكن في المقابل، يرفض دروز الجولان المحتل الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، ويتمسكون بهويتهم السورية.
تفاوض مع الحكومة الانتقالية
ومع سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024، وصعود حكومة انتقالية بقيادة أحمد الشرع دخلت سوريا مرحلة سياسية دقيقة، وبعث الشيخ حكمت الهجري وفداً تفاوضياً إلى دمشق، طالب بضمان حقوق الطائفة ضمن عقد اجتماعي لا يقوم على المحاصصة، بل على الشراكة، وفي الوقت ذاته أعادت قوات الكرامة انتشارها في السويداء، وأكدت أنها لن تتنازل عن استقلالية القرار المحلي.
ورغم التحديات، تمكّن الدروز من الحفاظ على تماسكهم الاجتماعي والديني، وهو أمر نادر في الشرق الأوسط، وقد ساعدهم في ذلك اعتمادهم على بنية اجتماعية مغلقة، تعزز الهوية والانتماء، وتمركزهم الجغرافي في مناطق دفاعية، وانضباطهم العقائدي، ورفضهم الدخول في تحالفات عابرة، واستقلالهم العسكري النسبي عبر قوات محلية كـ”الكرامة” و”أحرار الجبل”.
وفي ظل التحولات السياسية، يبدو أن خيار الدروز سيكون الانخراط في الدولة المدنية، لا الخروج منها، مع الحفاظ على خصوصيتهم.
فصائل السويداء
وتُعد فصائل السويداء من أبرز الظواهر العسكرية المحلية التي نشأت على هامش الثورة السورية عام 2011، إذ تشكّلت مجموعات مسلحة بديلة عن سلطة النظام، ورفضت الخضوع لأجهزته الأمنية، مستندةً إلى الحاضنة الاجتماعية والدينية للطائفة الدرزية.
ومن أبرز هذه الفصائل “حركة رجال الكرامة” التي أسسها الشيخ وحيد البلعوس عام 2013، بهدف حماية الشباب الرافضين للخدمة العسكرية والمنشقين، قبل أن يُغتال عام 2015 في تفجير غامض، وقاد الحركة لاحقًا شقيقه رأفت البلعوس، ومن ثم الشيخ يحيى الحجار، الذي لا يزال يتزعمها حتى اليوم، متعهداً بالدفاع عن كرامة أبناء المحافظة.
وأفرزت الانقسامات داخل الحركة تشكيل “قوات شيخ الكرامة” بقيادة ليث وفهد البلعوس، وقد اتخذت هذه القوات موقفاً أكثر عدائية تجاه النظام وروسيا، وخاضت معارك مباشرة ضد مجموعات مرتبطة بالأجهزة الأمنية.
بالمقابل، يبرز تجمع أحرار جبل العرب بقيادة الشيخ سليمان عبد الباقي، القريب من المرجعية الروحية للطائفة الدرزية، الشيخ حكمت الهجري، حيث ركّز التجمع على حماية المظاهرات السلمية والتفاوض من أجل إطلاق المعتقلين.
وفيما سعت دمشق وطهران قبل سقوط النظام إلى إنشاء فصائل موالية داخل المحافظة، مثل “حركة قوات الفجر” بقيادة راجي فلحوط، و”قوات الفهد” و”نسور الزوبعة”، بدعم من حزب الله وشعبة المخابرات العسكرية، واجهت هذه المجموعات مقاومة شرسة من الفصائل المحلية.
ففي تموز 2022، جرى تفكيك مجموعة فلحوط، بينما هاجمت “رجال الكرامة” مواقع “قوات الفهد” في آب من نفس العام، وأجبرتها على تسليم سلاحها.
اشتباكات وانتهاكات
ومنذ اندلاع الاشتباكات في السويداء مطلع الأسبوع الجاري، أفادت مصادر محلية لصحيفة “السوري” بوقوع عمليات سرقة ونهب استهدفت منازل ومحال تجارية داخل مدينة السويداء وريفها وأشارت ذات المصادر إلى أن بعض تلك العمليات نُفذت من قبل عناصر تتبع لوزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية.
وتتفاقم مخاوف السكان من دخول المحافظة في نفق الفوضى، وسط تداخل المعادلات العسكرية والدينية والاجتماعية، فيما يراقب المجتمع الدولي تطورات الوضع في السويداء عن كثب، في انتظار بروز مبادرة جادة تنهي النزاع وتعيد الأمن لأبناء الجبل.
وتجدد العنف في محافظة السويداء منذ يوم الأحد، حيث اندلعت اشتباكات دامية على خلفية عمليات خطف متبادلة بين مجموعات عشائرية وفصائل محلية، ورداً على ذلك، نشرت الحكومة الانتقالية وحدات من الجيش وقوى الأمن الداخلي لـ”فض النزاع”، حسبما جاء في بيان رسمي.
وبالتوازي، نفذ الجيش الإسرائيلي سلسلة غارات جوية استهدفت قوات الحكومة الانتقالية في محافظة السويداء، وذلك بالتنسيق مع الجانب الأميركي، بحسب ما نقلته القناة 14 العبرية عن مسؤول إسرائيلي.
ووفق المعلومات الواردة، فإن الغارات الإسرائيلية استهدفت رتلاً عسكرياً تابعاً لقوا الحكومة السورية الانتقالية، أثناء انسحابه من مدينة السويداء، حيث طال القصف آليات عسكرية على الطريق المؤدي إلى المدينة، إضافة إلى استهداف مركبات للأمن الداخلي داخل المدينة.
كما أظهرت تسجيلات مصوّرة حصلت عليها وسائل إعلام محلية لحظة تنفيذ إحدى الغارات على مدخل مدينة السويداء، في وقتٍ سُمع فيه دوي اشتباكات عنيفة من الجهة الجنوبية للمدينة، بين قوات الأمن الداخلي ومجموعات مسلحة محلية.
وقد أدت الغارات والاشتباكات إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف القوات الأمنية، كما أن الطيران الحربي والمسير الإسرائيلي كثّف من استهدافه لمواقع في وسط المدينة، تزامناً مع المواجهات المسلحة.
إدانات للتصعيد
من جهتها، أصدرت وزارة الخارجية الألمانية بياناً أعربت فيه عن “قلقها من سقوط ضحايا في الاشتباكات الدائرة في السويداء”، ودعت “جميع الأطراف إلى ضبط النفس ووقف فوري للأعمال القتالية”.
كما طالبت الحكومة السورية الانتقالية بـ”التحرك العاجل لخفض التصعيد”، مشددة على أن “المصالحة، والعدالة الانتقالية، وعملية سياسية شاملة” هي عناصر أساسية لتحقيق استقرار مستدام في سوريا.
يأتي هذا التصعيد في السويداء في وقت تشهد فيه المحافظة حراكاً معقداً منذ أشهر، على خلفية توتر العلاقات بين قوات الحكومية الانتقالية وبعض الفصائل المحلية.
قلق أممي
أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه البالغ إزاء استمرار أعمال العنف في محافظة السويداء جنوب سوريا، والتي أودت بحياة العشرات، من بينهم مدنيون، وسط تصاعد في حدة التوترات الطائفية والانتهاكات ضد السكان المحليين.
وفي بيان صادر عن المتحدث باسمه، دان غوتيريش جميع أشكال العنف ضد المدنيين، بما في ذلك “عمليات القتل العشوائي والتحريض الطائفي ونهب الممتلكات الخاصة”، مشدداً على أن هذه الأعمال “تهدد بإشعال صراعات طائفية خطيرة”.
ودعا الأمين العام كافة الأطراف، بما فيها الحكومة السورية الانتقالية والقادة المحليين، إلى خفض التصعيد فوراً، وضمان حماية المدنيين واستعادة الهدوء، مطالباً بإجراء تحقيقات شفافة ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.
كما عبّر غوتيريش عن القلق من الغارات الجوية الإسرائيلية التي طالت مناطق جنوب سوريا، داعياً إسرائيل إلى الامتناع عن انتهاك سيادة واستقلال سوريا وسلامة أراضيها، لافتاً إلى أن أي تصعيد إقليمي قد يفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد معاناة الشعب السوري.
وفي السياق نفسه، ذكرت نائبة المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، نجاة رشدي، المتواجدة حالياً في البلاد، أن الجهود تُبذل لإطلاق حوار مباشر بين السلطات المؤقتة والجهات المحلية، مشيرة إلى أن الوضع الإنساني في السويداء حرج، في ظل تعطّل الخدمات الأساسية مثل الكهرباء، المياه، التعليم، والخدمات الطبية.
ومن جانبه، أكد آدم عبد المولى، المنسق المقيم للأمم المتحدة في سوريا، أن عمليات المساعدات الأممية لا تزال معلقة مؤقتاً بسبب انعدام الأمن، لكن فرق الأمم المتحدة جاهزة للاستجابة فور توفر الظروف الميدانية.
اتساع رقعة العنف
من جانبها، أصدرت لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا بياناً شديد اللهجة، حذّرت فيه من اتساع رقعة العنف في السويداء، مطالبة بـ”وقف فوري لأعمال القتل والاختطاف والنهب”، ومشددة على مسؤولية الحكومة السورية المؤقتة في حماية المدنيين و”احترام حقوق الإنسان بدون أي تمييز”.
وأكدت اللجنة أنها توثق حالياً انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني، بما فيها قتل مدنيين، حرق منازل، ونهب ممتلكات، بالإضافة إلى تصاعد خطاب الكراهية والتحريض الطائفي على الأرض وعبر الإنترنت.
وأشارت اللجنة إلى أن المواجهات اندلعت بين فصائل محلية من أبناء الطائفة الدرزية ومجموعات مسلحة عشائرية، ما أدى إلى انتشار قوات الحكومة الانتقالية وتدخل الجيش، تلاه قصف جوي إسرائيلي على مواقع جنوب سوريا.
وتشير تقديرات اللجنة إلى سقوط ما لا يقل عن 51 قتيلاً و100 جريح، معظمهم من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، في حين يُرجّح أن تكون الحصيلة النهائية أكبر من ذلك بكثير.