جنوب سوريا تحت التوغلات… 46 معتقلاً سورياً ما زالوا خلف القضبان الإسرائيلية
اعتقالات مستمرة منذ التوغلات في الجنوب... وعائلات تناشد دمشق والمنظمات الدولية لكشف المصير والإفراج عن المحتجزين
تحولت قضية المعتقلين السوريين في السجون الإسرائيلية إلى أحد أكثر الملفات الإنسانية حساسية منذ اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية عقب سقوط النظام السابق، إذ تشير معطيات حقوقية وتقارير إعلامية إلى بقاء 46 مواطناً سورياً رهن الاحتجاز، في وقت تتصاعد فيه مناشدات ذويهم للحكومة السورية والمنظمات الدولية للتحرك من أجل كشف مصيرهم والعمل على إطلاق سراحهم.
وجاءت هذه المطالبات بعد إفراج السلطات الإسرائيلية، خلال شهر يوليو الماضي، عن أربعة معتقلين سوريين على دفعتين، في خطوة أعادت تسليط الضوء على عشرات المعتقلين الذين لا تزال عائلاتهم تجهل ظروف احتجازهم أو المراحل القانونية التي تمر بها قضاياهم.
وشملت آخر عمليات الإفراج كلاً من حسام محمد الصفدي، المنحدر من بلدة بيت جن في ريف دمشق، إضافة إلى مروان الكريان، الذي كان قاصراً عند اعتقاله خلال عملية نفذتها القوات الإسرائيلية في ريف القنيطرة عام 2025، بعد اقتحام عدد من القرى الحدودية، من بينها سويسة والدواية الكبيرة وعين الزيتون.
ورغم عودة المفرج عنهم إلى سوريا، لا تزال المعلومات المتاحة حول ظروف احتجازهم محدودة، إذ أكد أقارب بعضهم أن عدداً من المعتقلين أمضوا أشهراً طويلة دون معرفة التهم الموجهة إليهم، بينما قال آخرون إن التحقيقات كانت محدودة أو لم تجرِ معهم بصورة منتظمة، وهو ما يثير تساؤلات حول الإجراءات القانونية المتبعة في ملفاتهم.
توسع الاعتقالات مع التوغلات الإسرائيلية
شهد جنوب سوريا منذ نهاية عام 2024 وبداية المرحلة السياسية الجديدة تصاعداً في عمليات التوغل الإسرائيلية داخل محافظتي القنيطرة ودرعا، وصولاً إلى مناطق في ريف دمشق الغربي، وذلك بعد إعلان إسرائيل تعليق العمل العملي باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، وتوسيع انتشارها العسكري في المنطقة الحدودية.
وخلال تلك العمليات، نفذت القوات الإسرائيلية عشرات المداهمات للمنازل، وأقامت حواجز عسكرية مؤقتة، ونفذت حملات توقيف استهدفت مدنيين ومزارعين ورعاة وأشخاصاً كانوا يعبرون الطرق الزراعية أو يقيمون بالقرب من مناطق الانتشار العسكري.
ووفق بيانات صادرة عن جهات حقوقية سورية، بينها مركز “سجل” المختص بتوثيق الانتهاكات، فقد تم توثيق اعتقال ما لا يقل عن 187 سورياً منذ بدء تلك العمليات، أُفرج عن معظمهم بعد فترات تراوحت بين أيام وأسابيع، فيما بقي العشرات رهن الاحتجاز حتى اليوم.
غياب المعلومات يزيد معاناة العائلات
يقول أقارب عدد من المعتقلين إن أصعب ما يواجهونه هو غياب المعلومات الرسمية، إذ لا تعرف كثير من الأسر أماكن احتجاز أبنائها أو أوضاعهم الصحية أو المراحل القانونية التي تمر بها ملفاتهم.
وتؤكد عائلات أن التواصل مع المحتجزين يكاد يكون معدوماً في معظم الحالات، بينما تعتمد الأسر على معلومات متفرقة تصل عبر معتقلين مفرج عنهم أو عبر محامين ومنظمات حقوقية، الأمر الذي يضاعف القلق ويزيد من الأعباء النفسية والاجتماعية التي تعيشها.
كما تطالب الأسر الحكومة السورية بتشكيل لجنة خاصة لمتابعة الملف، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية لضمان الإفراج عن المعتقلين، أو على الأقل الحصول على معلومات دقيقة حول أوضاعهم.
أبعاد قانونية وإنسانية
يرى مختصون في القانون الدولي أن احتجاز المدنيين في مناطق النزاعات يخضع لأحكام اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، والتي تنص على ضرورة إبلاغ ذوي المحتجزين بمكان وجودهم، وتمكينهم من التواصل معهم، إضافة إلى ضمان حصولهم على محاكمات عادلة إذا وُجهت إليهم اتهامات.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن استمرار احتجاز مدنيين لفترات طويلة دون وضوح الإجراءات القانونية أو التهم الموجهة إليهم يثير مخاوف تتعلق بالشفافية والضمانات القانونية، وهو ما يدفع منظمات حقوق الإنسان إلى المطالبة بالسماح للجهات الدولية، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بمتابعة أوضاعهم والتأكد من سلامتهم.
ملف يتجاوز البعد الإنساني
لا يقتصر ملف المعتقلين السوريين على الجانب الإنساني، بل يحمل أبعاداً سياسية وأمنية، إذ يأتي في ظل استمرار التوتر على الحدود الجنوبية، وتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وهو ما يجعل قضية المعتقلين إحدى القضايا المتوقع طرحها في أي اتصالات أو وساطات مستقبلية بين الأطراف المعنية.
ويرى مراقبون أن معالجة هذا الملف قد تمثل خطوة لبناء إجراءات إنسانية تخفف من حدة التوتر، خصوصاً إذا اقترنت بإطلاق سراح مزيد من المحتجزين، والكشف عن مصير جميع المعتقلين، وضمان احترام قواعد القانون الدولي.
مطالبات بالتحرك
وتجدد عائلات المعتقلين مناشداتها للحكومة السورية، وللأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمنظمات الحقوقية الدولية، من أجل تكثيف الجهود للكشف عن أوضاع المحتجزين السوريين في السجون الإسرائيلية، وتأمين زيارتهم، والعمل على الإفراج عنهم في أقرب وقت.
وفي ظل الإفراج عن عدد محدود من المعتقلين خلال الأسابيع الماضية، يبقى مصير 46 سورياً خلف القضبان مفتوحاً على كثير من التساؤلات، بينما تواصل عشرات العائلات انتظار خبر يعيد أبناءها بعد شهور أو سنوات من الغياب، في قضية أصبحت عنواناً لمعاناة إنسانية تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع الالتزامات القانونية والحقوقية.