لم يعد تكرار حوادث السير في سوريا يُنظر إليه على أنه مجرد نتيجة لأخطاء السائقين، بل بات كثير من المواطنين يحمّلون واقع الطرقات المتدهور جزءاً كبيراً من المسؤولية، في ظل انتشار الحفر والتشققات، وتآكل طبقات الإسفلت، وضعف الإنارة، وغياب وسائل السلامة المرورية على العديد من الطرق الدولية والرئيسية.
وأعاد الحادث المأساوي الذي وقع مؤخراً على طريق دمشق – دير الزور، وأودى بحياة عشرات الأشخاص وإصابة آخرين، تسليط الضوء على أحد أكثر الطرق خطورة في البلاد، والذي يطلق عليه كثير من السائقين اسم “طريق الموت”، بسبب كثرة الحوادث التي يشهدها على مدار السنوات، وما يرافقها من مطالبات متكررة بإعادة تأهيله وتحسين معايير السلامة فيه.
ويؤكد سائقون يستخدمون الطريق بشكل يومي أن أجزاء واسعة منه تعاني من هبوط في طبقات الإسفلت، وحفر عميقة، وانعدام العواكس والإشارات التحذيرية، إضافة إلى ضعف الإنارة في المقاطع الطويلة، وهو ما يزيد من احتمالات وقوع الحوادث، خاصة خلال ساعات الليل أو في الظروف الجوية الصعبة.
ولا تقتصر المشكلة على طريق دمشق – دير الزور، إذ تواجه طرق دولية ومحلية عديدة في مختلف المحافظات أوضاعاً مشابهة، نتيجة سنوات الحرب، والدمار الذي طال البنية التحتية، إلى جانب محدودية أعمال الصيانة الدورية، ما جعل التنقل بين المدن يشكل تحدياً يومياً للمواطنين وسائقي النقل العام والشاحنات.
ويرى مختصون في السلامة المرورية أن الحوادث غالباً ما تكون نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها السرعة الزائدة، والإرهاق، والأعطال الفنية في المركبات، إلا أن سوء حالة الطرق يعد عاملاً رئيسياً يزيد من خطورة هذه الحوادث ويضاعف آثارها، خصوصاً على الطرق التي تشهد حركة مرورية كثيفة.
ويشير مواطنون إلى أن أعمال الصيانة، عندما تُنفذ، تتركز في بعض المقاطع فقط، بينما تبقى مسافات طويلة بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة، تشمل إصلاح طبقات الطريق، وتحسين التصريف، وتركيب الشواخص المرورية، والإنارة، والحواجز الواقية، بما ينسجم مع متطلبات السلامة الحديثة.
ويحذر خبراء من أن استمرار تدهور شبكة الطرق سيؤدي إلى ارتفاع الخسائر البشرية والاقتصادية، إذ لا تقتصر الأضرار على الضحايا والمصابين، بل تمتد إلى زيادة تكاليف النقل، وتلف المركبات، وتعطيل حركة التجارة، وارتفاع كلفة صيانة السيارات نتيجة الاستخدام اليومي لطرق متهالكة.
وتطالب فعاليات مجتمعية ونقابية بوضع خطة وطنية لإعادة تأهيل الطرق الأكثر خطورة، مع إعطاء الأولوية للمحاور الدولية التي تربط المحافظات، وإجراء تقييم هندسي دوري لها، وتعزيز الرقابة على تنفيذ مشاريع الصيانة لضمان جودتها واستدامتها.
ويؤكد مختصون أن الحد من حوادث السير يتطلب معالجة شاملة لا تقتصر على تشديد قوانين المرور أو زيادة المخالفات، بل تشمل أيضاً الاستثمار في البنية التحتية، وتحسين جودة الطرق، وتوفير عناصر السلامة المرورية، إلى جانب نشر الوعي بين السائقين.
ومع تزايد أعداد الضحايا في الحوادث المرورية خلال الأشهر الأخيرة، تتجدد المطالب بتحويل ملف الطرق إلى أولوية خدمية وتنموية، باعتباره مرتبطاً بشكل مباشر بحماية أرواح المواطنين، وتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية، وضمان تنقل أكثر أماناً بين المدن السورية.