تشكل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق محطة سياسية ودبلوماسية بارزة في مسار انفتاح سوريا على المجتمع الدولي، إذ تحمل أبعاداً تتجاوز الطابع البروتوكولي لتؤكد انتقال الملف السوري إلى مرحلة جديدة عنوانها دعم الاستقرار، وتعزيز التعافي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، بالتوازي مع تجديد الدعوات لاحترام سيادة البلاد ووقف الانتهاكات الإسرائيلية في الجولان والمناطق الجنوبية.
ووصل غوتيريش إلى العاصمة السورية في أول زيارة يقوم بها أمين عام للأمم المتحدة إلى دمشق منذ عام 2009، حيث استقبله الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب، قبل أن يجريا جولة في دمشق القديمة شملت الجامع الأموي، في خطوة وصفت بأنها تحمل دلالات سياسية ورمزية تعكس تطور العلاقة بين سوريا والمنظمة الدولية بعد سنوات من العزلة والصراع.
وخلال زيارته، أكد غوتيريش أن الأمم المتحدة تقف إلى جانب الشعب السوري في هذه المرحلة المفصلية، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته عبر تقديم الدعم اللازم لعملية التعافي وإعادة الإعمار، وتهيئة الظروف التي تضمن الاستقرار والتنمية المستدامة. كما شدد على أن الفرصة المتاحة أمام سوريا لا تقتصر على تجاوز آثار الحرب، بل تمتد إلى بناء مستقبل أكثر شمولاً وازدهاراً لجميع السوريين.
وفي مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية أسعد الشيباني، دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، مطالباً بوقف الانتهاكات الإسرائيلية وتحمل مجلس الأمن مسؤولياته تجاه الجولان السوري المحتل، معتبراً أن استمرار الاعتداءات العسكرية يهدد فرص الاستقرار في البلاد.
من جهته، أكد وزير الخارجية السوري أن الأولوية تتمثل في إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، مطالباً بانسحاب فوري وغير مشروط من المناطق التي توغلت إليها القوات الإسرائيلية، ومشيراً إلى أن الحكومة تعمل على حصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع تسريع جهود إعادة الإعمار وتشجيع عودة السوريين إلى مناطقهم، إلى جانب السعي لرفع العقوبات الدولية بما يدعم التنمية الاقتصادية.
وتأتي هذه الزيارة في وقت تتطلع فيه دمشق إلى دور أممي أكثر فاعلية في دعم المرحلة الانتقالية، سواء عبر تعزيز مشاريع التعافي المبكر أو المساهمة في تثبيت الأمن، إضافة إلى ممارسة ضغوط دولية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية التي تكررت خلال الأشهر الماضية، رغم وجود قنوات تفاوض مباشرة وآليات تنسيق أمنية بين الجانبين.
ويشمل برنامج غوتيريش لقاءات مع ممثلين عن المجتمع المدني ومنظمات حقوقية وإنسانية، إضافة إلى زيارة مواقع ذات رمزية مرتبطة بملفات حقوق الإنسان، واجتماعات مع مسؤولين سوريين وأفراد من بعثة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف” في الجولان، في إطار تأكيد استمرار التزام المنظمة الدولية بدعم جهود الاستقرار في المنطقة.
ويرى مراقبون أن الزيارة تمثل اختباراً عملياً لدور الأمم المتحدة في المرحلة الانتقالية، إذ يطالب ناشطون ومنظمات حقوقية بأن يترافق الدعم السياسي مع خطوات عملية تشمل تعزيز العدالة الانتقالية، وإصلاح المؤسسات القضائية، وكشف مصير المفقودين، ودعم العودة الآمنة للنازحين، وتمكين المجتمع المدني من المشاركة في رسم السياسات العامة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ملايين السوريين ما زالوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، رغم تسجيل عودة أعداد كبيرة من النازحين واللاجئين إلى مناطقهم خلال الفترة الماضية، وهو ما يجعل نجاح المرحلة المقبلة مرتبطاً بقدرة المجتمع الدولي على توفير التمويل اللازم لبرامج إعادة الإعمار والخدمات الأساسية، إلى جانب توفير بيئة آمنة ومستقرة تشجع المزيد من العائلات على العودة.
وتعكس زيارة غوتيريش إلى دمشق تحولاً في طبيعة التعاطي الدولي مع الملف السوري، إذ بات التركيز يتجه بصورة أكبر نحو دعم الاستقرار والتعافي وإعادة بناء المؤسسات، مع استمرار التأكيد على احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وضرورة معالجة الملفات الإنسانية وحقوق الإنسان باعتبارها جزءاً أساسياً من أي مسار سياسي مستدام.