دجلة والفرات بين السدود والسياسة… كيف تحولت المياه إلى ملف نفوذ بين تركيا وسوريا والعراق؟
من شريان حضارات إلى ورقة تفاوض: أزمة المياه العابرة للحدود تعيد رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط
لم تعد أزمة دجلة والفرات مجرد خلاف تقني حول حصص مائية بين دول الجوار، بل تحولت خلال العقود الماضية إلى ملف تتداخل فيه الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية، في منطقة تعتمد ملايين الأسر فيها على نهرين شكّلا تاريخياً أساس الحياة والاستقرار.
ومع الفيضانات التي شهدتها مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا خلال يونيو (حزيران) الحالي، وارتفاع منسوب مياه الفرات نتيجة الأمطار الغزيرة وزيادة التدفقات الواردة من الأراضي التركية، عادت الأسئلة القديمة إلى الواجهة: هل ما يجري نتيجة طبيعية لتقلبات المناخ وسوء إدارة الموارد، أم أن التحكم بمنابع النهرين أصبح جزءاً من معادلة النفوذ الإقليمي؟
تركيا، بوصفها دولة المنبع لنهرَي دجلة والفرات، تمتلك السيطرة على القسم الأكبر من مصادر المياه الرئيسية، خصوصاً مع توسعها في مشاريع السدود ضمن مشروع «جنوب شرقي الأناضول» المعروف باسم (GAP)، الذي يضم منشآت مائية ضخمة تهدف إلى تطوير الزراعة وإنتاج الطاقة.
لكن هذه المشاريع أثارت اعتراضات واسعة في سوريا والعراق، اللتين تعتبران أن انخفاض التدفقات المائية انعكس مباشرة على الزراعة والطاقة والبيئة، خصوصاً مع موجات الجفاف المتتالية التي ضربت المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
السدود التركية… تنمية داخلية أم تأثير على دول المصب؟
ترى أنقرة أن إدارة الموارد المائية داخل أراضيها حق سيادي، وتؤكد أن دجلة والفرات نهران عابران للحدود، وليس نهرين دوليين يخضعان لقواعد التقاسم الملزمة.
في المقابل، تتمسك دمشق وبغداد بأن النهرين يمثلان نظاماً مائياً مشتركاً، وأن أي قرار يتعلق بتدفقاتهما يجب أن يراعي احتياجات الدول الثلاث وفق مبادئ العدالة وعدم الإضرار.
ويتركز الخلاف بشكل أساسي حول عدد من السدود التركية الكبرى، وفي مقدمتها سد أتاتورك على الفرات وسد إليسو على دجلة، حيث ترى سوريا والعراق أن هذه المشاريع غيّرت طبيعة تدفق المياه وأثرت في كميات المياه الواصلة إليهما.
في العراق تحديداً، تسببت أزمة المياه في تراجع المساحات الزراعية، وتهديد مناطق الأهوار الجنوبية، وارتفاع مستويات التلوث، إضافة إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية متزايدة نتيجة شح المياه.
أما سوريا، فقد انعكست الأزمة على الأراضي الزراعية التي تعتمد على الفرات، وعلى إنتاج الطاقة الكهرومائية، إضافة إلى تأثيرات بيئية وصحية ظهرت بشكل أكبر خلال سنوات الجفاف.
المياه والسياسة… عندما دخل الأمن على خط النهر
لم يبق ملف المياه منفصلاً عن الملفات السياسية والأمنية بين تركيا من جهة وسوريا والعراق من جهة أخرى.
فخلال العقود الماضية، ارتبط الخلاف المائي أحياناً بالتوترات المتعلقة بحزب «العمال الكردستاني» ونشاطاته في المنطقة، إذ اتهمت دمشق وبغداد أنقرة باستخدام ملف المياه كأداة ضغط، بينما ربطت تركيا تعاونها المائي بدرجات من التعاون الأمني مع جيرانها.
هذا التداخل جعل مفاوضات المياه أكثر تعقيداً، إذ لم تعد القضية محصورة في الأرقام المتعلقة بالمتر المكعب من المياه، بل أصبحت مرتبطة بالحدود والأمن والنفوذ الإقليمي.
اتفاقيات كثيرة… وحل مؤجل
شهد القرن الماضي سلسلة من الاتفاقيات والتفاهمات بين الدول الثلاث، لكنها لم تؤدِّ إلى اتفاق نهائي شامل.
فقد وضعت اتفاقيات مثل اتفاقية أنقرة عام 1921، واتفاقية التعاون التركية – العراقية عام 1946، أسساً أولية لتبادل المعلومات والتنسيق بشأن المياه والفيضانات.
وفي عام 1987، وقعت تركيا وسوريا اتفاقية مؤقتة تعهدت خلالها أنقرة بضمان تدفق متوسط سنوي معين من مياه الفرات إلى سوريا خلال فترة ملء خزان سد أتاتورك.
ثم وقعت سوريا والعراق عام 1989 اتفاقية لتحديد آلية توزيع المياه التي تصل من الحدود السورية إلى العراق، في محاولة لتنظيم العلاقة بين دولتي الممر والمصب.
لكن هذه الاتفاقيات بقيت جزئية، ولم تصل إلى صيغة نهائية ترضي الأطراف الثلاثة.
القانون الدولي… بين مبادئ العدالة وغياب الإلزام
اعتمدت الأمم المتحدة عام 1997 اتفاقية بشأن استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية، والتي ركزت على مبادئ أساسية مثل الاستخدام المنصف وعدم التسبب بالضرر للدول الأخرى.
وحظيت الاتفاقية بدعم سوريا والعراق، بينما لم تنضم إليها تركيا، معتبرة أن بعض بنودها قد تحد من حقوقها في إدارة مواردها المائية.
ويرى خبراء أن غياب اتفاقية إقليمية ملزمة بين الدول الثلاث هو السبب الرئيسي في استمرار الأزمة، إذ لا تزال إدارة النهرين تعتمد على التفاهمات السياسية أكثر من اعتمادها على إطار قانوني ثابت.
من الصراع على المياه إلى إدارة المصالح؟
في السنوات الأخيرة، ظهرت محاولات لإعادة صياغة العلاقة بين تركيا والعراق بعيداً عن منطق المواجهة، مع التركيز على التعاون الفني وتطوير تقنيات الري وتقليل الهدر.
ويرى باحثون أتراك أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يعتمد على تقاسم المياه فقط، بل على إدارة مشتركة للموارد وتطوير حلول تقنية لمواجهة تغير المناخ.
لكن بالنسبة لسوريا والعراق، يبقى السؤال الأساسي قائماً: كيف يمكن ضمان تدفق مائي مستقر في ظل امتلاك دولة واحدة مفاتيح المنابع الرئيسية؟
فدجلة والفرات، اللذان كانا يوماً رمزاً لولادة الحضارات، أصبحا اليوم اختباراً لقدرة دول المنطقة على تحويل الموارد المشتركة من مصدر خلاف إلى مساحة تعاون.
وبين سدود المنابع وجفاف المصب، تستمر معركة المياه… معركة لا تُدار فقط عبر القنوات والأنهار، بل أيضاً عبر السياسة.