لكل السوريين

ملف القمح السوري.. فساد موثّق وغطاء رسمي للخسائر

تقرير/ جمانة الخالد

تُعد قضية استيراد القمح واحدة من أكثر الملفات حساسية في سوريا، ليس فقط لأنها تتعلق بالمادة الغذائية الأساسية، بل لأنها تكشف عن شبكة علاقات رسمية غير شفافة، قادت إلى خسارة مئات الملايين من الليرات السورية. ففي حماة، كان المواطنون يترقبون وصول القمح بأسعار معقولة، بينما الوثائق الرسمية كانت تكشف عن سلسلة من التجاوزات الإدارية والمالية، التي بدأت منذ الإعلان عن المناقصة في نهاية عام 2017.

بدأت القصة مع الإعلان عن استدراج عروض لاستيراد 300 ألف طن من القمح بطريقة التعاقد بالتراضي، وحدد موعد فض العروض منتصف تشرين الثاني. حضرت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، وكان المفتش واضحاً منذ البداية: بعض الأسعار مرتفعة جداً مقارنة بالسعر العالمي الذي كان يتراوح بين 190 و192 دولاراً للطن. قدمت شركة الشرق الأوسط عرضاً بـ 231 دولاراً للطن، فيما قدمت أربع شركات أخرى عروضاً أعلى بقليل، جميعها مرتبطة بأسماء بارزة في عالم المال السوري، ما أثار الريبة منذ البداية. وبناء على تقييم المفتش، أعلنت المؤسسة فشل المناقصة.

لكن ما حدث بعد مغادرة المفتش كشف عن أبعاد أخرى للصفقة. اجتمع مجلس إدارة المؤسسة بناءً على توجيه وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك آنذاك، وأصدر قراراً بإعادة استقبال العروض لمدة ساعة واحدة فقط، ليتم الاتفاق على التعاقد مع الشركات الخمس نفسها، وتثبيت السعر عند 230 دولاراً للطن، مع تقسيم الكمية بين الشركات بمعدل 60 ألف طن لكل منها. وهكذا تحولت المنافسة المفترضة إلى اتفاق بالتراضي، في خرق واضح لتوصية المفتش وإجراءات التعاقد الرسمية.

في نهاية تشرين الثاني، تدخل حاكم المصرف المركزي بمذكرة رسمية، اقترح فيها الدفع بالدولار بدلاً من الليرة السورية، ما يتيح للمؤسسة توفير جزء من القيمة المدفوعة. انعقد اجتماع رسمي في المصرف المركزي مع ممثلي الشركات، واتفق الجميع على تخفيض طفيف إذا تم الدفع بالدولار، ليصبح السعر 228 دولاراً للطن، مقابل 230 دولاراً إذا تم الدفع بالليرة. إلا أن اللجنة الاقتصادية تجاهلت الاتفاق، وأصدرت توصية بدفع 230 دولاراً للطن بالدولار، ما تسبب في خسارة نحو 600 ألف دولار، أي ما يقارب 300 مليون ليرة سورية آنذاك، من خزينة الدولة.

المدير العام المكلف للمؤسسة رفض تقديم أي تفسير حول الجهة التي استفادت من هذا الفرق، مكتفياً بالقول إنه نفذ ما جاء في كتاب اللجنة الاقتصادية، فيما الوثائق تظهر أن المحاضر كانت موقعة من ثلاثة مسؤولين على الأقل، ولم تُخطر اللجنة قبل صدور توصيتها. مصادر مطلعة أكدت أن الأمر كان بإشراف اللجنة نفسها، ليظهر أن الفساد كان منظماً ومحسوباً، وأن هناك غطاء رسمياً على التجاوزات.

أما العقود المبرمة فقد شابها عدة مخالفات: تثبيت العقود خلافاً لتوصية لجنة فض العروض، تقسيم الكمية إلى 60 ألف طن رغم أن الإعلان الأصلي حدّد 100 ألف طن كحد أدنى، الدفع بالدولار خلافاً للإعلان، وفتح اعتماد مستندي قبل وصول الشحنات، ما منح الشركات ضمانات مسبقة بأموال الدولة لتمويل عملياتها خارجياً.

ولم تتوقف التجاوزات عند توقيع العقود، بل استمرت بعد ذلك. ففي نيسان 2018، وافقت المؤسسة على تعديل بنود أساسية في أحد العقود بناءً على طلب إحدى الشركات، مع تمديد مدة الشحن إلى خمسة أشهر بدلاً من شهرين، وإسقاط غرامات التأخير التي تصل إلى 0.5% عن كل يوم، ما أدى إلى ضياع مبالغ إضافية من المال العام.

الخبراء القانونيون والاقتصاديون أشاروا إلى أن كل هذه الإجراءات تعكس خطة مدروسة لإقصاء الشركات الصغيرة والمتوسطة، لضمان هيمنة الشركات الكبرى، وأن صياغة الإعلان بشروط مختلفة عن التنفيذ الفعلي تعتبر سلوكاً متكرراً في قضايا الفساد الإداري. كما أكدوا أن وجود اتفاقات غير معلنة مسبقاً وتحويل المناقصات إلى صفقات بالتراضي يقلل فرص المنافسة ويزيد التكاليف على الخزينة.

في حماة، تحدث أصحاب المخابز والباعة عن أثر هذه الصفقات على ارتفاع أسعار الخبز والمواد الأساسية، فيما المسؤولون يغلقون أعينهم على الخسائر، وتبقى خزينة الدولة معرضة للنزيف المالي، بينما المواطن البسيط يدفع الثمن مباشرة.

تعتبر قضية القمح هذه ليست مجرد أخطاء إجرائية أو تفاوت في الأسعار، بل نموذج واضح لكيفية إدارة الفساد بغطاء رسمي، من تفشيل المناقصة إلى تثبيتها، ومن التعاقد بالتراضي إلى تعديل العقود وفتح الاعتمادات خلافاً للنصوص، مع استمرار غياب الشفافية والمساءلة. النتيجة كانت خسارة تقارب 300 مليون ليرة سورية، لتبقى هذه القضية شاهدة على أن إدارة المال العام بالتراضي، وليس بالقانون، تضر بالمواطن أولاً وأخيراً.

 

- Advertisement -

- Advertisement -