لكل السوريين

تزايد الأمراض النفسية في سوريا… ضغوط المعيشة والحرب ترفع معدلات القلق والاكتئاب

تشهد سوريا خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الاضطرابات النفسية، وسط ظروف معيشية واقتصادية صعبة ألقت بظلالها على مختلف فئات المجتمع، في وقت يؤكد فيه مختصون أن خدمات الدعم النفسي ما تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياج المتزايد.

ويقول أطباء نفسيون إن حالات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم والتوتر المزمن أصبحت أكثر شيوعاً بين السوريين، خاصة مع استمرار الأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الحياة وتراجع الاستقرار الاجتماعي.

في أحد المراكز الطبية بدمشق، يوضح الطبيب النفسي سامر العلي أن “الضغوط اليومية أصبحت عاملاً أساسياً في زيادة الاضطرابات النفسية، فالكثير من المرضى يراجعون العيادات بسبب القلق المستمر والخوف من المستقبل وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية.”

ويشير إلى أن الأزمة لم تعد تقتصر على البالغين فقط، بل امتدت إلى الأطفال والمراهقين الذين تأثروا بسنوات الحرب والنزوح والتغيرات الاجتماعية الحادة.

ضغوط اقتصادية وانعكاسات نفسية

ترافق التدهور الاقتصادي مع ارتفاع كبير في معدلات التوتر النفسي، إذ تجد كثير من العائلات نفسها عاجزة عن تأمين الغذاء والدواء والتعليم، ما ينعكس بشكل مباشر على الصحة النفسية للأفراد.

تقول سيدة من سكان ريف دمشق إنها تعاني منذ سنوات من الأرق والقلق بسبب الظروف المعيشية: “نفكر طوال الوقت بكيفية تدبير المصروف والإيجار والكهرباء. حتى النوم أصبح صعباً.”

ويرى مختصون أن استمرار الضغوط اليومية دون وجود مساحات للدعم النفسي أو الاستقرار الاجتماعي يزيد من احتمالات الإصابة بالاكتئاب والإرهاق النفسي المزمن.

كما يؤكد أطباء أن بعض المرضى يتجنبون مراجعة العيادات النفسية بسبب النظرة الاجتماعية السلبية المرتبطة بالعلاج النفسي، ما يؤدي إلى تفاقم الحالات وتأخر التدخل الطبي.

الأطفال الأكثر تأثراً

بحسب مختصين في الصحة النفسية، فإن الأطفال السوريين يُعدّون من أكثر الفئات تأثراً بالأزمات المتراكمة، خاصة أولئك الذين عاشوا تجارب النزوح أو فقدان أحد أفراد الأسرة أو التعرض للعنف.

وتظهر على بعض الأطفال أعراض مثل الخوف المفرط والتراجع الدراسي والانطواء والعصبية واضطرابات النوم، فيما يعاني آخرون من صعوبات في التكيف الاجتماعي.

وتقول الأخصائية النفسية هبة شرف إن “الكثير من الأطفال يعيشون في بيئات مليئة بالتوتر، ما ينعكس على سلوكهم وصحتهم النفسية على المدى الطويل.”

وتضيف أن غياب برامج الدعم النفسي المدرسي في عدد من المناطق يزيد من صعوبة معالجة هذه المشكلات مبكراً.

نقص في الخدمات والكوادر

ورغم تزايد الحاجة إلى الرعاية النفسية، يواجه القطاع الصحي تحديات كبيرة تتعلق بنقص الكوادر الطبية والأدوية والتجهيزات، إضافة إلى ارتفاع تكاليف العلاج بالنسبة لكثير من المرضى.

ويشير عاملون في القطاع الصحي إلى أن بعض المناطق تعاني من محدودية المراكز المتخصصة بالصحة النفسية، ما يدفع المرضى إلى تجاهل العلاج أو الاعتماد على حلول غير طبية.

كما يلفت مختصون إلى أن الدعم النفسي المجتمعي ما يزال بحاجة إلى تطوير أكبر، خاصة في المناطق التي شهدت أزمات إنسانية أو تدهوراً خدمياً واسعاً.

دعوات لتعزيز الوعي بالصحة النفسية

في المقابل، بدأت بعض المبادرات المحلية ومنظمات المجتمع المدني بتنظيم جلسات دعم نفسي وحملات توعية حول أهمية الصحة النفسية وضرورة التعامل مع الاضطرابات النفسية بوصفها حالات صحية تحتاج إلى رعاية وعلاج.

ويؤكد مختصون أن تحسين الصحة النفسية لا يرتبط فقط بالعلاج الطبي، بل يحتاج أيضاً إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي وتوفير بيئة أكثر أماناً للأفراد والعائلات.

ومع استمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، تبدو الصحة النفسية واحدة من القضايا الأكثر إلحاحاً، في ظل تزايد الحاجة إلى برامج دعم حقيقية تساعد السكان على مواجهة الضغوط المتراكمة واستعادة قدر من التوازن النفسي والاجتماعي.

- Advertisement -

- Advertisement -