لكل السوريين

الشوندر السكري في سوريا.. محصول استراتيجي يبحث عن إنقاذ اقتصادي واجتماعي

شهد محصول الشوندر السكري في سوريا خلال السنوات الأخيرة تراجعاً حاداً بعد أن كان أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي والصناعة المحلية وفرص العمل الزراعية. وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتوقف معامل السكر، وضعف الجدوى الاقتصادية للمزارعين، بات هذا القطاع يبحث عن حلول عاجلة تعيد له الحياة وتخفف الاعتماد على استيراد السكر من الخارج.

قبل عام 2011، كانت سوريا تنتج أكثر من مليوني طن من الشوندر السكري سنوياً، مع تشغيل معامل رئيسية في حمص وتل سلحب ومسكنة والرقة، ما وفر آلاف فرص العمل في الزراعة والنقل والتصنيع الغذائي. إلا أن سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية أدت إلى تراجع المساحات المزروعة وانخفاض الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة.

أزمة تتجاوز الزراعة

لا ترتبط أزمة الشوندر السكري بالإنتاج الزراعي فقط، بل تمتد إلى الصناعة والتسويق والطاقة. فمعامل السكر الحكومية تحتاج إلى كميات كبيرة من المحصول كي تعمل بكفاءة اقتصادية، بينما لم تعد الكميات المنتجة كافية لتغطية تكاليف التشغيل.

ويقول مزارعون في مناطق سهل الغاب وحماة إن ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة والبذار وأجور النقل جعل زراعة الشوندر أقل ربحية مقارنة بمحاصيل أخرى، ما دفع كثيرين إلى التخلي عنه تدريجياً.

كما أدى توقف بعض المعامل عن الاستلام أو التأخر في دفع المستحقات إلى خسائر إضافية للفلاحين، حيث تم استخدام جزء من المحصول في بعض المواسم كعلف للحيوانات بدلاً من تصنيعه لإنتاج السكر.

خسائر اقتصادية مضاعفة

يشير خبراء اقتصاديون إلى أن تراجع إنتاج الشوندر السكري لا يعني فقط خسارة محصول زراعي، بل ينعكس أيضاً على فاتورة الاستيراد بالعملة الأجنبية، إذ تضطر سوريا إلى استيراد كميات كبيرة من السكر لتغطية حاجة السوق المحلية.

ويرى مختصون أن إعادة إحياء هذا القطاع يمكن أن تسهم في:

تخفيف الاستيراد وتقليل الضغط على القطع الأجنبي.

تنشيط الصناعات الغذائية المرتبطة بالسكر ومشتقاته.

خلق فرص عمل موسمية ودائمة في الريف.

دعم الاستقرار الاجتماعي في المناطق الزراعية.

محاولات حكومية للإنقاذ

خلال الأعوام الأخيرة، طرحت الجهات المعنية عدة إجراءات لإعادة تنشيط زراعة الشوندر السكري، أبرزها:

رفع سعر شراء المحصول من الفلاحين.

تقديم تسهيلات للبذار والأسمدة.

دراسة إعادة تشغيل بعض معامل السكر.

تشجيع التوسع الزراعي في المناطق الملائمة.

إلا أن خبراء يرون أن هذه الخطوات ما تزال غير كافية ما لم تترافق مع خطة متكاملة تشمل تحديث المعامل، وضمان استلام المحصول في الوقت المناسب، وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعومة.

البعد الاجتماعي للأزمة

في القرى التي اشتهرت بزراعة الشوندر السكري، ارتبط هذا المحصول لعقود بمصدر الدخل الرئيسي للعائلات الزراعية. ومع تراجع زراعته، ازدادت الضغوط المعيشية والهجرة الداخلية من الأرياف إلى المدن، في ظل محدودية البدائل الاقتصادية.

ويؤكد مزارعون أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى خروج المزيد من الأراضي الزراعية من الإنتاج، ما يهدد قطاعاً كان يوماً أحد أعمدة الاقتصاد الزراعي السوري.

بين الإنقاذ والانهيار

يرى مختصون أن مستقبل الشوندر السكري في سوريا يتوقف على قدرة الحكومة والقطاع الصناعي على إعادة بناء الحلقة الكاملة للإنتاج، من الحقل إلى المعمل ثم السوق. فبدون معالجة مشكلات الطاقة والتكاليف والتسويق، سيبقى هذا المحصول الاستراتيجي يواجه خطر التراجع المستمر.

وفي وقت تتزايد فيه الحاجة إلى دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاستيراد، يبدو إنقاذ الشوندر السكري أكثر من مجرد قضية زراعية، بل اختباراً لمدى قدرة الاقتصاد السوري على استعادة بعض مقوماته الإنتاجية الأساسية.

- Advertisement -

- Advertisement -