لكل السوريين

طفولة مؤجلة.. أطفال دمشق بين الحاجة والحرمان من الحقوق الأساسية

السوري ـ دمشق

في شوارع دمشق المزدحمة، حيث تتقاطع حركة المارة مع صخب الحياة اليومية، تتكرر مشاهد باتت جزءاً من المشهد العام للمدينة؛ أطفال يقفون عند إشارات المرور، وعلى الأرصفة، وأمام المحال التجارية، يحملون علب العلكة أو زجاجات المياه، ويبحثون عن فرصة لكسب ما يسد جزءاً من احتياجات أسرهم. خلف تلك الوجوه الصغيرة تختبئ حكايات ثقيلة تتجاوز أعمار أصحابها، وتعكس واقعاً اجتماعياً واقتصادياً معقداً فرض على كثير من الأطفال التخلي مبكراً عن تفاصيل طفولتهم.

في شارع الثورة وسط العاصمة، يقف مازن، ذو الثمانية أعوام، بالقرب من السيارات المتوقفة عند الإشارة. يحمل بعض قطع العلكة ويعرضها على السائقين، لكن البيع لا يكون دائماً كافياً. تقول والدته إنه يخرج منذ ساعات الصباح الأولى محاولاً جمع مبلغ يساعد الأسرة على مواجهة متطلبات الحياة اليومية. وبين البيع والتسوّل، تتلاشى الحدود الفاصلة بين الطفولة والعمل القسري في الشارع.

وفي حي القيمرية، تجلس نور، التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، قرب أحد الأكشاك التجارية. تحمل بعض زجاجات المياه ودفتر تلوين صغيراً، وتردد للمارة أن والدها مريض وأن الأسرة بحاجة إلى المساعدة. وبينما يواصل الناس طريقهم على عجل، تبقى الطفلة متمسكة بمحاولاتها اليومية لتأمين دخل يسهم في إعالة أسرتها.

لم تعد ظاهرة أطفال التسوّل في دمشق حالات فردية متفرقة، بل تحولت إلى قضية اجتماعية متنامية ترتبط بجملة من العوامل، أبرزها الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية وتفكك بعض الأسر، إضافة إلى ضعف برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للأطفال الأكثر هشاشة.

وخلال جولة في عدد من الأحياء القديمة، يظهر أطفال يقضون ساعات طويلة في الشوارع بانتظار ما يجود به المارة. بعضهم يعمل في بيع السلع البسيطة، وآخرون يعتمدون على التسوّل بشكل مباشر. وتكشف أحاديثهم عن معاناة تتجاوز الحاجة المادية، لتشمل الحرمان من التعليم والاستقرار الأسري والشعور بالأمان.

ويؤكد مختصون في الشأن الاجتماعي أن الظاهرة لا يمكن التعامل معها بوصفها مشكلة فردية، بل باعتبارها نتيجة لتراكمات اقتصادية واجتماعية متعددة. فالطفل الموجود في الشارع غالباً ما يكون ضحية ظروف أسرية صعبة، أو استغلال مباشر من جهات تستفيد من حاجته وضعفه، ما يجعله أكثر عرضة للمخاطر والانقطاع عن التعليم.

كما تشير شهادات ميدانية إلى وجود حالات يُجبر فيها الأطفال على جمع مبالغ مالية يومية لصالح أشخاص أو مجموعات تستغل أوضاعهم الاقتصادية، الأمر الذي يحرمهم من أبسط حقوقهم الأساسية في التعليم واللعب والنمو السليم.

وباتت الشوارع بالنسبة لهؤلاء الأطفال بمثابة عالم بديل؛ عالم يفتقر إلى مقاعد الدراسة وساحات اللعب، ويقوم على ساعات طويلة من الانتظار والعمل تحت ظروف قاسية. وبين ضجيج السيارات وحركة المارة، تمضي طفولتهم في مواجهة يومية مع الحاجة وعدم اليقين.

ويرى مختصون أن مواجهة الظاهرة تتطلب حلولاً تتجاوز المساعدات الآنية، عبر توفير برامج حماية اجتماعية فعالة، وتعزيز فرص التعليم، ودعم الأسر الأكثر فقراً، وتطبيق القوانين التي تجرّم استغلال الأطفال، إلى جانب توسيع دور المؤسسات والجمعيات المعنية برعاية الطفولة.

وفي مدينة عُرفت بتاريخها العريق وحضورها الإنساني، تبقى أصوات الأطفال المنتشرين على الأرصفة تذكيراً مستمراً بحجم التحديات التي تواجهها الفئات الأكثر ضعفاً. فهؤلاء الأطفال ليسوا مجرد أرقام أو مشاهد عابرة في الحياة اليومية، بل وجوه لأزمة تحتاج إلى استجابة مجتمعية شاملة تضمن لهم حقهم الطبيعي في التعليم والأمان والطفولة الكريمة.

- Advertisement -

- Advertisement -