لكل السوريين

نساء سوريات في مواجهة العنف.. معاناة مستمرة وآثار تتجاوز الضحايا

تجلس “أم محمد” بصمت ثقيل وهي تستعيد سنوات طويلة من العنف الذي عاشته داخل منزلها. تزوجت وهي في الخامسة عشرة من عمرها برجل يكبرها بأكثر من عقدين، بعد أن قررت عائلتها تزويجها قسراً طمعاً بوضعه المادي، لتبدأ منذ ذلك الحين رحلة قاسية من الإهانة والضرب والحرمان، ما تزال تعيش تفاصيلها حتى اليوم أمام أبنائها والمحيطين بها.

قصة “أم محمد” ليست حالة فردية، بل نموذج يتكرر بأشكال مختلفة في المجتمع السوري، حيث تواجه نساء كثيرات أشكالاً متعددة من العنف الجسدي والنفسي والاجتماعي، في ظل تداعيات الحرب الطويلة والأزمات الاقتصادية والتفكك الاجتماعي الذي خلّفته السنوات الماضية.

إرث ثقيل من الانتهاكات

مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أوضح في تصريح صحفي أن المرأة السورية ما تزال تعاني من آثار المرحلة السابقة بكل ما حملته من انتهاكات وظروف قاسية، مؤكداً أن تجاوز هذه المرحلة يتطلب وقتاً وجهوداً واسعة على المستويات القانونية والاجتماعية والنفسية.

وأشار إلى أن آلاف النساء فقدن أزواجهن أو أبناءهن، فيما تعيش أخريات أوضاعاً إنسانية صعبة داخل المخيمات أو في ظروف اقتصادية هشّة، إضافة إلى معاناة كثيرات من الصدمات النفسية الناتجة عن الاعتقال والفقدان والنزوح.

وأكد عبد الغني أن حماية المرأة لا تقتصر على الجانب الإنساني فقط، بل ترتبط بإعادة بناء المجتمع، داعياً إلى تعزيز حضور النساء في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والعمل على مراجعة القوانين التي تتضمن أشكالاً من التمييز أو الانتقاص من حقوقهن.

أرقام تكشف حجم المأساة

وبحسب تقارير حقوقية، فقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل عشرات آلاف النساء منذ عام 2011، إضافة إلى استمرار حالات الاعتقال والاختفاء القسري بحق الآلاف منهن، في وقت تؤكد فيه المنظمات الحقوقية أن النساء كنّ من أكثر الفئات تضرراً خلال سنوات النزاع.

وتشير التقارير إلى أن النساء لعبن دوراً محورياً في الحياة المجتمعية خلال سنوات الحرب، إلا أن تمثيلهن في مواقع صنع القرار ما يزال محدوداً، الأمر الذي تعتبره المنظمات الحقوقية عائقاً أمام تحقيق العدالة والإنصاف في المرحلة الانتقالية.

عنف داخل الأسرة والمجتمع

وفي جانب آخر من المعاناة، تقول “سارة” البالغة من العمر 18 عاماً إنها تتعرض بشكل دائم للتوبيخ والعنف من إخوتها داخل المنزل، بسبب النظرة التقليدية التي تحصر دور الفتاة بالأعمال المنزلية والخضوع لسلطة الذكور.

أما “سلمى”، وهي أم لعدة أطفال، فتروي كيف تعيش تحت ضغط الإهانات المستمرة من زوجها الذي يصغرها سناً، مؤكدة أنها تتحمل ذلك خوفاً من تفكك أسرتها وخسارة أطفالها.

هذه القصص، وفق مختصين، تعكس استمرار أنماط اجتماعية قائمة على التمييز وعدم المساواة، وهو ما يفاقم حالات العنف ويجعل النساء أكثر عرضة للاستغلال النفسي والجسدي.

أسباب متعددة وآثار عميقة

الاختصاصية النفسية ماري اندراوس ترى أن العنف ضد المرأة يرتبط بجملة من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية، من بينها ضعف الحوار داخل الأسرة، والأزمات المعيشية، والتنشئة القائمة على العنف، إضافة إلى شعور بعض الرجال بالعجز أو فقدان الثقة بالنفس.

وتوضح أن آثار العنف لا تتوقف عند المرأة وحدها، بل تمتد إلى الأطفال والأسرة والمجتمع بأكمله، حيث تخلّف حالات العنف اضطرابات نفسية طويلة الأمد، وتؤثر على الاستقرار الاجتماعي والتربوي.

تصاعد العنف الرقمي

ومع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، برز نوع جديد من الانتهاكات يتمثل بالعنف الرقمي، من خلال الابتزاز الإلكتروني والتشهير وانتهاك الخصوصية والتهديد عبر الإنترنت.

وتؤكد اندراوس أن مواجهة هذا النوع من العنف تتطلب تعزيز الوعي الرقمي لدى النساء، إلى جانب تطوير القوانين المتعلقة بالجرائم الإلكترونية، وتوفير آليات حماية أكثر فاعلية للضحايا.

الحاجة إلى حماية وتشريعات

ويرى مختصون أن الحد من العنف ضد المرأة يحتاج إلى تعاون بين المؤسسات الحكومية والمجتمع، عبر سنّ قوانين أكثر صرامة، وتوفير مراكز حماية ودعم نفسي وقانوني، إضافة إلى نشر ثقافة المساواة والاحترام داخل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام.

وفي ظل استمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية، تبقى قضية العنف ضد المرأة واحدة من أكثر الملفات حساسية، باعتبارها ترتبط بشكل مباشر ببناء مجتمع أكثر استقراراً وعدالة في المرحلة المقبلة.

- Advertisement -

- Advertisement -