السوري ـ السويداء
عاد ملف الانفصال والإدارة الذاتية إلى واجهة المشهد السوري مجددا، عقب تصاعد التوتر السياسي والأمني في محافظة السويداء، إثر تصريحات أطلقها شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، دعا فيها إلى “تقرير المصير” وتشكيل إدارة مستقلة عن دمشق، ما أثار موجة واسعة من الجدل والقلق بشأن مستقبل وحدة البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
وتأتي هذه التطورات في ظل أوضاع معيشية وأمنية متدهورة تعيشها السويداء منذ سنوات، بالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية وتزايد الخلافات بين السلطات السورية وبعض القوى المحلية في المحافظة ذات الغالبية الدرزية.
وأكد الهجري في تصريحات حديثة أن “خيار الحرية وتقرير المصير ليس محل مساومة”، مضيفا أن “قرار الجبل يجب أن يكون بيد أبنائه”، وهي تصريحات اعتبرها مراقبون تصعيدا سياسيا جديدا يعكس ارتفاع سقف التوتر مع دمشق، ويعيد النقاش حول طبيعة العلاقة بين الدولة المركزية والمناطق السورية المختلفة في مرحلة ما بعد الحرب.
ورغم أن فكرة الإدارة الذاتية طُرحت سابقا في السويداء، فإن مراقبين يرون أن توقيت إعادة طرحها حاليا يعكس حجم الاحتقان السياسي والاجتماعي داخل المحافظة، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وتراجع مستوى الخدمات وفقدان الثقة بين السكان والسلطات المركزية.
كما ترتبط عودة هذا الخطاب، بحسب متابعين، بالتحولات التي شهدتها سوريا خلال سنوات الحرب، والتي عززت النزعات المناطقية واللامركزية في عدد من المناطق السورية، سواء في الشمال الشرقي أو الشمال الغربي أو الجنوب.
وفي هذا السياق، اعتبر الكاتب والباحث السياسي بسام السليمان أن تصريحات الهجري ليست جديدة، موضحا أن الحديث عن الإدارة الذاتية أو ما يعرف بـ”دولة السويداء” يتكرر منذ سنوات، إلا أن تحويل هذه الطروحات إلى مشروع قابل للتطبيق يواجه تحديات كبيرة داخليا وإقليميا.
وأشار السليمان إلى أن التصعيد السياسي في السويداء يرتبط بحالة الضغط الداخلي التي تعيشها المحافظة، معتبرا أن رفع سقف الخطاب أصبح وسيلة لإثبات الحضور السياسي والشعبي داخل المشهد المحلي.
وتعاني السويداء منذ سنوات من أزمات اقتصادية وخدمية متفاقمة، ازدادت حدتها مع الحرب والانهيار الاقتصادي العام في سوريا، ما ساهم في تنامي حالة الغضب الشعبي تجاه الحكومات المتعاقبة.
في المقابل، ترفض دمشق أي حديث عن وضع سياسي أو إداري خاص لأي محافظة سورية، خاصة في ظل حساسية المرحلة الحالية، حيث تؤكد السلطات السورية أن منح أي منطقة خصوصية استثنائية قد يفتح الباب أمام مشاريع التقسيم والتفكك.
وشدد السليمان على ضرورة أن تكون العلاقة بين دمشق وجميع المحافظات “متساوية ومتوازنة”، محذرا من أن أي صيغة خاصة للسويداء قد تشكل تهديدا مباشرا لوحدة الدولة السورية.
كما أوضح أن المواقف داخل السويداء ليست موحدة بالكامل خلف خطاب الهجري، مشيرا إلى وجود تباينات بين المرجعيات الدينية والسياسية داخل الطائفة الدرزية، وأن الحديث عن إجماع كامل حول مشروع الإدارة الذاتية “لا يعكس الواقع بدقة”.
ويكشف هذا التباين الداخلي عن تعقيدات المشهد في المحافظة، حيث تدعو بعض الأطراف إلى توسيع صلاحيات الإدارة المحلية وتحسين العلاقة مع دمشق، بينما تتبنى أطراف أخرى خطابا أكثر تصعيدا يتحدث عن تقرير المصير والانفصال.
وعلى الصعيد الإقليمي، تبرز مخاوف من استغلال التوترات في السويداء ضمن صراعات النفوذ في الجنوب السوري، وسط اتهامات متكررة لإسرائيل بمحاولة توظيف الانقسامات الداخلية لإضعاف الدولة السورية، خاصة في المناطق القريبة من الجولان المحتل.
كما يرفض الأردن بدوره أي سيناريو قد يقود إلى تقسيم سوريا أو إنشاء كيانات منفصلة قرب حدوده الشمالية، خشية انعكاسات ذلك على أمن المنطقة وملف الحدود واللاجئين.
ويرى مراقبون أن السويداء، بحكم موقعها الجغرافي وإمكاناتها المحدودة، تفتقر إلى المقومات السياسية والاقتصادية التي تسمح بتحويل فكرة الانفصال إلى مشروع عملي، ما يجعل الخطاب الحالي أقرب إلى ورقة ضغط سياسية منه إلى مشروع قابل للتنفيذ.
ومع ذلك، فإن تصاعد هذه الدعوات يعكس حجم التحديات التي تواجهها سوريا في المرحلة الحالية، سواء على مستوى إعادة بناء مؤسسات الدولة أو استعادة الثقة واحتواء الانقسامات التي خلفتها سنوات الحرب.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو دمشق أمام اختبار صعب يتمثل في احتواء التوتر داخل السويداء دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وفي الوقت نفسه منع انتقال مطالب الإدارة الذاتية إلى مناطق سورية أخرى.
وبين دعوات تقرير المصير ومخاوف التقسيم، يبقى ملف السويداء واحدا من أكثر الملفات حساسية في سوريا، في ظل استمرار الغموض حول شكل العلاقة المستقبلية بين الدولة المركزية والقوى المحلية بعد الحرب.