لكل السوريين

العدالة الانتقالية في سوريا… هل تتحول المحاسبة إلى مصدر خوف جديد؟

السوري ـ دمشق

خاص_ لم تعد الحرب في سوريا تُقاس بعدد الجبهات المفتوحة أو حجم الدمار فقط، بل بما تركته من خوف متراكم داخل المجتمع السوري؛ خوف لا يظهر دائمًا في التصريحات السياسية، لكنه حاضر في الأحاديث المغلقة، وفي القرى التي أنهكتها الحرب، وفي المدن التي تبدلت خرائطها السكانية، وحتى داخل الطوائف التي نجت من القتال لكنها لم تنجُ من القلق.

ومع تصاعد الحديث عن “العدالة الانتقالية” بوصفها المدخل الضروري لأي مرحلة سياسية جديدة، يبرز سؤال حساس نادرًا ما يُطرح علناً: هل يشعر جميع السوريين بالأمان تجاه فكرة العدالة نفسها؟

في بلد مزقته الحرب والانقسامات الطائفية والاصطفافات العسكرية، تبدو العدالة الانتقالية بالنسبة لكثيرين ضرورة أخلاقية وقانونية، لكنها بالنسبة لآخرين تحمل مخاوف من أن تتحول إلى أداة انتقام جماعي أو إعادة إنتاج للإقصاء تحت عنوان المحاسبة.

وبين مطلب الضحايا بالحقيقة والإنصاف، وهواجس الأقليات من التعميم والعقاب الجماعي، تقف سوريا أمام واحدة من أكثر المعضلات تعقيدًا منذ اندلاع النزاع قبل أكثر من عقد.

خوف لا يُقال بصوت مرتفع

في أحياء ومدن سوريا متعددة، لا يظهر القلق من العدالة الانتقالية بوصفه رفضًا للمحاسبة، بل خوفًا من شكلها وحدودها والجهة التي ستديرها.

يقول باحث اجتماعي سوري، لصحيفة السوري فضل عدم الكشف عن اسمه، إن جزءًا كبيرًا من الأقليات الدينية والطائفية “لا تخشى العدالة بحد ذاتها، بل تخشى غياب الضمانات القانونية والسياسية التي تمنع تحولها إلى عملية انتقام جماعي”.

ويضيف أن سنوات الحرب عمّقت لدى كثير من السوريين شعورًا هشًا بالأمان، خصوصًا داخل الجماعات التي ربطت مصيرها ببقاء السلطة أو خافت من صعود الجماعات المتشددة خلال سنوات الصراع.

هذا الخوف لا يقتصر على طائفة بعينها، إذ تشير شهادات متقاطعة إلى أن القلق من المستقبل يطال شرائح واسعة من السوريين، بمن فيهم معارضون سابقون وناجون من الاعتقال وأسر مفقودين يخشون بدورهم أن تنتهي التسويات السياسية إلى “مصالحة بلا عدالة”.

بين العدالة والثأر

يرى حقوقيون أن التحدي الأكبر في الحالة السورية يتمثل في الفصل بين مفهوم العدالة ومشاعر الثأر التي راكمتها سنوات الحرب والانتهاكات.

ويقول محامٍ مختص بملفات حقوق الإنسان إن العدالة الانتقالية لا تعني “معاقبة جماعة كاملة بسبب انتمائها”، بل تقوم أساسًا على مبدأ المسؤولية الفردية وكشف الحقيقة وتعويض الضحايا وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

لكن الخطاب المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب مراقبين، يعكس أحيانًا نزعات انتقامية وتوصيفات جماعية تزيد من مخاوف الأقليات وتُضعف الثقة بإمكانية بناء دولة مواطنة جامعة.

ويحذر أكاديميون من أن أي عملية عدالة انتقالية تُبنى على أساس الغلبة السياسية أو الطائفية ستقود إلى دورة جديدة من العنف، بدل أن تؤسس لاستقرار طويل الأمد.

ذاكرة الحرب الثقيلة

خلف النقاش القانوني والسياسي، تقف ذاكرة جماعية مثقلة بالمجازر والاعتقال والتهجير والخوف.

ففي مناطق عديدة، لا تزال العائلات تبحث عن مفقودين أو تنتظر معرفة مصير معتقلين، بينما تعيش جماعات أخرى قلقًا من أن تُحمّل مسؤولية أفعال ارتكبتها أطراف مسلحة أو شخصيات نافذة خلال سنوات النزاع.

ويقول أستاذ في علم الاجتماع السياسي إن المجتمعات الخارجة من الحروب الأهلية غالبًا ما تواجه “معركة ذاكرة”، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت روايته الخاصة بوصفها الحقيقة الوحيدة.

ويضيف أن الخطر في الحالة السورية يكمن في غياب سردية وطنية مشتركة حتى الآن، ما يجعل أي حديث عن العدالة محفوفًا بانعدام الثقة المتبادل.

هل تكفي المحاكم؟

تجارب دولية عديدة أظهرت أن المحاكمات وحدها لا تكفي لإعادة بناء المجتمعات الخارجة من النزاعات.

ويرى مختصون أن سوريا تحتاج إلى نموذج خاص يأخذ بعين الاعتبار تعقيد البنية الاجتماعية والطائفية، وحجم التدخلات الخارجية، وعمق الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة.

كما يؤكدون أن أي عملية عدالة انتقالية لن تنجح ما لم تقترن بضمانات واضحة لحماية جميع المكونات، ومنع التحريض الطائفي، وبناء قضاء مستقل يحظى بثقة السوريين.

سؤال المستقبل

في الشوارع السورية المتعبة من الحرب، لا يبدو السؤال اليوم متعلقًا فقط بمحاسبة الماضي، بل أيضًا بشكل المستقبل الذي ينتظر السوريين.

هل تستطيع البلاد بناء عدالة يشعر داخلها الضحايا بالإنصاف، وتشعر فيها الأقليات بالأمان، دون أن تتحول المحاسبة إلى باب لثأر جديد؟

ذلك السؤال، ربما، سيكون الامتحان الأصعب لأي سوريا قادمة.

- Advertisement -

- Advertisement -