لكل السوريين

سنابل الشمال السوري بين وفرة الحصاد ومخاوف التسويق

مزارعو القمح في شمال وشرق سوريا يطالبون بتسعيرة عادلة وسط ارتفاع التكاليف ومخاوف الخسارة

السوري ـ الرقة

في وقت تبدو فيه حقول القمح الممتدة في شمال وشرق سوريا أكثر اخضراراً من أي موسم مضى خلال السنوات الأخيرة، يعيش آلاف المزارعين حالة من الترقب والقلق مع اقتراب موسم الحصاد، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول الوفرة الإنتاجية المنتظرة إلى عبء اقتصادي جديد بسبب غياب التسعيرة العادلة وارتفاع تكاليف الزراعة والتسويق.

ويصف مزارعون ومسؤولون زراعيون الموسم الحالي بأنه من أفضل المواسم التي شهدتها البلاد منذ أكثر من عقدين، مدفوعاً بغزارة الأمطار وتحسن الموارد المائية، إلا أن هذا التفاؤل يصطدم بواقع اقتصادي صعب يهدد بتقويض المكاسب المنتظرة، في ظل استمرار ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة والبذار، إلى جانب غياب رؤية واضحة لآليات شراء وتسويق المحصول.

موسم استثنائي بعد سنوات الجفاف

للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، عادت المياه إلى أجزاء من نهر الخابور في محافظة الحسكة، في مشهد أعاد الحياة إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي عانت من الجفاف والحرب والإهمال. ومع تحسن الهطولات المطرية هذا العام، استعادت السهول الزراعية في الحسكة والرقة ودير الزور جزءاً من عافيتها، واكتست حقول القمح باللون الأخضر، ما أعاد الأمل للمزارعين بإمكانية تعافي القطاع الزراعي.

وبحسب بيانات وزارة الزراعة، بلغت نسبة تنفيذ الخطة الزراعية لمحصول القمح هذا الموسم نحو 92 بالمئة، وهي من أعلى النسب المسجلة خلال العقود الأخيرة. وتشكل مناطق شمال وشرق سوريا النسبة الأكبر من المساحات المزروعة، إذ تستحوذ المنطقة الشرقية وحدها على نحو 60 بالمئة من إجمالي الأراضي المخصصة للقمح، فيما تمثل محافظة الحسكة وحدها قرابة 35 بالمئة من الخطة الوطنية.

ويؤكد مدير الاقتصاد والتخطيط الزراعي في وزارة الزراعة سعيد إبراهيم أن “أرقام هذا الموسم لافتة للغاية مقارنة بالعشرين عاماً الماضية”، مشيراً إلى أن وفرة الأمطار ساهمت في تقليل الاعتماد على الري المكلف، الأمر الذي خفف جزئياً من الأعباء التي يتحملها المزارعون.

تكاليف مرتفعة تهدد الأرباح

ورغم المؤشرات الإيجابية، إلا أن المزارعين يؤكدون أن وفرة الإنتاج لا تعني بالضرورة تحقيق أرباح، في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف الزراعة.

في قرية شموكة غرب الحسكة، يقف المزارع محمد حسين العلي وسط حقله المزروع بالقمح، لكنه لا يخفي مخاوفه من الخسارة. ويقول إن أسعار الديزل وقطع الغيار والمعدات الزراعية أصبحت تفوق قدرة المزارعين، مضيفاً: “لو كنت أملك خمسين دونماً لما زرعت سوى نصفها بسبب ارتفاع تكاليف الري والمحروقات”.

ويشير العلي إلى أن المزارعين يطالبون بأن لا يقل سعر شراء القمح عن 550 دولاراً للطن، محذراً من أن تحديد سعر أقل من ذلك سيؤدي إلى خسائر كبيرة للفلاحين الذين تكبدوا نفقات مرتفعة طوال الموسم.

ولا تختلف معاناة مزارعي الرقة كثيراً عن نظرائهم في الحسكة، فمع اقتراب الحصاد بدأ القلق يتزايد حول قدرة الأسواق على استيعاب الإنتاج الكبير المتوقع هذا العام، خاصة مع غياب تسعيرة موحدة أو سعر استرشادي واضح.

ويؤكد عدد من المزارعين في أرياف الرقة أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الإنتاج، بل في مرحلة التسويق، إذ يخشون من اضطرارهم لبيع محاصيلهم بأسعار منخفضة للتجار والوسطاء بسبب ضعف مراكز الاستلام وتأخر فتحها.

أحد المزارعين في ريف الرقة قال إن “الموسم يبدو جيداً من حيث الإنتاج، لكن الخوف الحقيقي يبدأ عند الحصاد، عندما لا نجد جهة تشتري المحصول بسعر يغطي التكاليف”.

السوق والوسطاء… معادلة معقدة

وفي ظل غياب آليات تسويق مستقرة، يعتمد كثير من المزارعين على التجار والوسطاء لتصريف محاصيلهم، وهو ما يضعف قدرتهم على التفاوض ويجعل الأسعار عرضة للتفاوت بين منطقة وأخرى.

ويؤكد تجار حبوب أن السوق هذا العام يواجه معادلة معقدة، تتمثل في وفرة العرض مقابل محدودية القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف النقل والتخزين، إضافة إلى تفاوت جودة المحصول بين المناطق.

ويتوقع بعضهم استمرار التذبذب في الأسعار خلال ذروة الموسم، مع احتمال انخفاضها نتيجة زيادة المعروض، الأمر الذي يثير مخاوف الفلاحين من تكبد خسائر إضافية.

الحرب والجفاف… آثار مستمرة

ورغم تحسن الموسم الحالي، لا تزال آثار الحرب والجفاف تلقي بثقلها على الواقع الزراعي في سوريا. فسنوات النزاع الطويلة دفعت كثيراً من المزارعين إلى هجر أراضيهم، فيما ما تزال البنية التحتية الزراعية والخدمية تعاني من أضرار كبيرة.

وتفتقر قرى عديدة في الأرياف الشمالية والشرقية إلى الكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية، ما يجعل عودة الحياة الطبيعية إلى تلك المناطق عملية بطيئة ومعقدة.

كما يحذر مختصون من أن استمرار التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً قد يؤديان إلى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي خلال المواسم المقبلة، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والأمن الغذائي في البلاد.

القمح… قضية بقاء لا مجرد محصول

قبل عام 2011، كانت سوريا تحقق اكتفاءً ذاتياً من القمح بإنتاج سنوي تراوح بين أربعة وخمسة ملايين طن، لكن سنوات الحرب والجفاف أدت إلى تراجع الإنتاج بشكل حاد، ليهبط في بعض المواسم إلى أقل من مليون طن.

ومع توقعات بوصول إنتاج هذا الموسم إلى نحو 1.3 مليون طن، يرى كثير من المزارعين أن الموسم الحالي يشكل فرصة حقيقية لإنعاش الزراعة السورية، لكنه في الوقت نفسه اختبار لقدرة الجهات المعنية على دعم الفلاحين وتأمين تسويق عادل لمحاصيلهم.

ويقول المزارع رجب الكاظم، البالغ من العمر سبعين عاماً، من قرية تل صخر: “الأمطار هذا العام أعادت الأمل، لكننا ما زلنا نخشى الحرائق وارتفاع أسعار الديزل، والأهم أننا لا نعرف حتى الآن السعر الرسمي للقمح”.

أما المزارع حسين محمد من قرية البويضة غرب الحسكة، فيعتبر أن عودة المياه والأراضي الخضراء ليست مجرد تحسن اقتصادي، بل “علامة على أن الحياة يمكن أن تعود تدريجياً إلى الريف السوري”.

ويضيف أن دعم الزراعة عبر توفير المحروقات والبذار والمعدات بأسعار مناسبة بات ضرورة ملحة لمنع هجرة السكان من القرى والحفاظ على ما تبقى من القطاع الزراعي.

وبين وفرة المحصول ومخاوف التسويق، يقف مزارعو القمح في شمال وشرق سوريا أمام موسم يحمل كثيراً من الآمال، لكنه في الوقت نفسه يختبر قدرتهم على الاستمرار في واحدة من أصعب المهن التي أنهكت ها الحرب والجفاف وغلاء المعيشة.

- Advertisement -

- Advertisement -