لكل السوريين

حماة تواجه العطش.. الآبار بين الاستنزاف والتلوث وتحديات الاستدامة

حماة/ جمانة الخالد

تعيش محافظة حماة أزمةً مائيةً مركبة تتشابك فيها العوامل الطبيعية مع الاقتصادية والفنية، حتى باتت المياه هاجساً يومياً لأغلب سكان المدينة وريفها. فبعد سنوات من التراجع في معدلات الأمطار وازدياد الطلب بسبب الكثافة السكانية والنزوح، أصبحت الآبار الجوفية تشكل الشريان الأهم لتأمين المياه، لكنها في المقابل تواجه تهديدات حقيقية نتيجة الاستنزاف العشوائي، والتلوث، وارتفاع كلفة التشغيل، وضعف البنية التحتية التي تهدر القسم الأكبر مما يُستخرج من مياهها. وفي ظل هذه الظروف الصعبة، تبرز الحاجة إلى وقفة جادة لمعالجة واقع الآبار في حماة، وإعادة تنظيم استخدامها بما يضمن استدامتها كمصدرٍ حيوي للحياة والزراعة.

تشير التقارير المحلية إلى أن جزءاً كبيراً من الآبار المنتشرة في حماة يعاني من انخفاض إنتاجي حاد، خصوصاً في المناطق الشرقية والغربية من المحافظة، مثل سلمية، ومحردة، وصوران، والسقيلبية. ففي هذه المناطق، كانت الآبار تضخ المياه لست أو ثماني ساعات يومياً قبل بضع سنوات، أما اليوم، فالكثير منها لا يعمل إلا لفترات قصيرة لا تتجاوز نصف ساعة، لتنتج كميات محدودة بالكاد تكفي لتعبئة خزانٍ منزلي واحد. وتؤكد مجالس محلية في الريف الحموي أن بعض الآبار خرجت عن الخدمة تماماً بسبب هبوط منسوب المياه الجوفية أو تعطل المضخات نتيجة نقص الوقود والكهرباء، فيما تعمل آبار أخرى بطاقة منخفضة لا تتجاوز ربع قدرتها الأصلية.

ويقول خبراء المياه في المحافظة إن هذا التدهور لم يحدث فجأة، بل هو نتيجة سنوات طويلة من سوء الإدارة المائية، وتوسع الحفر غير المنظم، وتراجع الأمطار بشكل واضح. كما أن تزايد عدد الآبار الخاصة غير المرخصة فاقم من الضغط على المخزون الجوفي، إذ تشير التقديرات إلى أن في محافظة حماة نحو تسعة آلاف بئر، أكثر من أربعة آلاف منها غير مرخصة، وهي تُستغل غالباً من دون رقابة فنية أو قيود على كميات الضخ. هذا الواقع أدى إلى انخفاض حاد في المنسوب المائي، بل وجفاف تام في بعض المناطق الزراعية التي كانت تعتمد على المياه الجوفية لري محاصيلها الأساسية.

المهندس الزراعي حسن عبد الغفور يؤكد أن الكلفة التشغيلية المرتفعة تشكل عبئاً إضافياً على تشغيل الآبار العاملة، خاصة بعد الارتفاع الكبير في أسعار الوقود وصعوبة تأمين الكهرباء. فالمضخات تحتاج إلى تشغيل متواصل لتأمين كميات مناسبة من المياه، لكن الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي تجعل العمل متقطعاً وغير مستقر، بينما يؤدي الاعتماد على المولدات إلى تضاعف النفقات. ويضيف عبد الغفور أن البنية التحتية القديمة في شبكات النقل والتوزيع تتسبب بهدرٍ كبيرٍ للمياه، إذ تتسرب كميات كبيرة قبل أن تصل إلى المستهلكين، ما يجعل كفاءة منظومة الضخ ضعيفة للغاية.

ويحذر الخبراء من أن استمرار الاعتماد على الحفر العشوائي دون تنظيم سيقود إلى تدهور خطير في نوعية المياه. فقد سُجّلت في السنوات الأخيرة حالات تلوث جرثومي وكيميائي في عدد من الآبار بسبب اختلاطها بمياه صرف صحي غير معالجة أو بتسربات من سطح الأرض إلى الطبقات الجوفية، خصوصاً في المناطق التي تعرضت لأعمال عسكرية أو دمار في شبكات الصرف. ويشير عبد الغفور إلى أن بعض الأهالي يستخدمون الآبار بشكل خاطئ لتصريف مياه الأمطار أو المخلفات المنزلية، ما يزيد من خطر التلوث ويؤدي إلى انتشار الروائح الكريهة وتدهور جودة المياه.

أما من الناحية الزراعية، فإن انخفاض إنتاجية الآبار يهدد بشكل مباشر الأمن الغذائي المحلي، إذ يعتمد معظم مزارعي حماة على المياه الجوفية لري محاصيل القمح والخضراوات والأشجار المثمرة. ومع تراجع الضخ، يضطر المزارعون إلى تقليص المساحات المزروعة أو اللجوء إلى مصادر مياه أقل جودة، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج وارتفاع الأسعار، فضلاً عن زيادة معدلات الفقر في الأرياف. ويقول عبد الغفور إن بعض المزارعين تركوا أراضيهم بسبب ارتفاع تكاليف الضخ والصيانة، ما ينذر بخسائر اقتصادية متراكمة.

وتشير مديرية الموارد المائية في حماة إلى أن الطاقة الإنتاجية للآبار الاحتياطية في المدينة لا تكفي لتغطية أكثر من خمسة بالمئة من الاحتياجات اليومية للسكان، ما يجعلها مصدراً مساعداً فقط، لا بديلاً عن الشبكة العامة. ومع ذلك، تؤكد المديرية أنها تعمل على إعادة تأهيل بعض الآبار وصيانتها بالتعاون مع وزارة الموارد المائية لتكون جاهزة في حالات الطوارئ، كما يجري العمل على تركيب مضخات تعمل بالطاقة الشمسية لتقليل الاعتماد على الوقود.

وتوضح خبيرة التنمية البشرية لبنى صالح أن الأزمة المائية في حماة ليست تقنية فحسب، بل هي أيضاً سلوكية وتنظيمية، مشيرةً إلى أن ترشيد الاستهلاك أصبح ضرورة وطنية. وتدعو إلى إطلاق حملات توعية في المدارس والأحياء والمجالس المحلية لشرح خطورة هدر المياه وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن الأعطال والتسربات. كما توصي بتدريب كوادر محلية لصيانة الآبار وإدارة عملها بشكل دوري، بحيث يتم تقليل الأعطال وتخفيض الفاقد المائي.

ويرى الخبراء أن مواجهة أزمة المياه في حماة تتطلب استراتيجية شاملة تتضمن خطوات واضحة، منها: حصر جميع الآبار العاملة وغير العاملة في سجل مائي موحد، وتحديد عمق كل بئر وقدرته الإنتاجية، وفرض رقابة دقيقة على عمليات الحفر الجديدة، إضافة إلى تحديث شبكات النقل والتوزيع القديمة للحد من التسرب، واعتماد تقنيات حديثة مثل الضخ الذكي والمضخات العاملة بالطاقة المتجددة. كما يدعون إلى دعم مشاريع حصاد مياه الأمطار، وإعادة استخدام المياه المعالجة في الري، وتوسيع التعاون بين المجتمع المحلي والجهات الحكومية لمراقبة أداء الآبار.

ويؤكد مهندسون في مؤسسة المياه أن الآبار في حماة ما زالت تمثل جزءاً ضرورياً من منظومة الحلول المائية، لكنها ليست كافية وحدها لتأمين الاحتياجات المتزايدة. فبدون إدارة رشيدة واستثمار فعّال، ستبقى هذه الآبار عاجزة عن أداء دورها الاستراتيجي في مواجهة الجفاف. وإذا أرادت حماة أن تتجاوز محنتها المائية، فعليها أن تتعامل مع الآبار لا كمصدر طارئ فحسب، بل كأصلٍ يجب الحفاظ عليه عبر التخطيط المستدام، والرقابة الدائمة، وتطوير البنية التحتية، وإلا فإن العطش سيبقى شبحاً يهدد حاضر المحافظة ومستقبلها.

- Advertisement -

- Advertisement -