لكل السوريين

حمص بين إرث التعايش وتصاعد خطاب الكراهية.. تحقيق في تحولات النسيج الاجتماعي

السوري ـ حمص 

لطالما عُرفت مدينة حمص بتنوعها الديني والثقافي، حيث شكّلت عبر عقود نموذجاً للتعايش بين مكوناتها المختلفة. في أحيائها القديمة، عاش المسلمون والمسيحيون من مذاهب متعددة جنباً إلى جنب، تقاسموا تفاصيل الحياة اليومية، ونسجوا علاقات اجتماعية تجاوزت حدود الانتماء الطائفي. غير أن هذا المشهد بدأ يشهد تحولات مقلقة في السنوات الأخيرة، مع تصاعد تدريجي لخطاب الكراهية الذي بات يهدد هذا الإرث الاجتماعي.

مؤشرات هذا التحول تظهر بوضوح في انتشار التعميمات والصور النمطية السلبية، حيث يتم تحميل جماعات بأكملها مسؤولية أفعال فردية. عبارات الإقصاء والتصنيف باتت أكثر حضوراً في الأحاديث اليومية، ما يعكس حالة من التوتر المتراكم نتيجة سنوات من الأزمات السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد. ويرى مراقبون أن هذه اللغة لم تتشكل بمعزل عن السياق العام، بل تأثرت بخطابات إعلامية وسياسية ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في ترسيخ الانقسامات.

في الفضاء الرقمي، تتجلى الظاهرة بشكل أكثر وضوحاً. فقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات مفتوحة لنشر محتوى يحمل مضامين طائفية، أحياناً تحت غطاء حرية التعبير. وتنتشر منشورات وتعليقات تتضمن إساءات مباشرة أو سخرية من ممارسات دينية، غالباً من حسابات مجهولة، ما يعزز من حدة الخطاب ويقلل من فرص المساءلة. ولا يقتصر الأمر على المحتوى ذاته، بل يمتد إلى التفاعل معه، حيث تتحول بعض النقاشات إلى سجالات طائفية حتى في قضايا لا ترتبط أصلاً بالهوية الدينية.

هذا الخطاب لم يعد محصوراً في العالم الافتراضي، بل بدأ ينعكس على الحياة اليومية. ففي بعض الحالات، تتحول خلافات عادية بين أفراد إلى نزاعات ذات طابع طائفي، نتيجة استدعاء الانتماءات الدينية في سياق الخلاف. كما يلاحظ تزايد الحذر في بعض البيئات المهنية والتعليمية، حيث يتجنب البعض بناء علاقات مع آخرين من خلفيات مختلفة، ما يعمق الحواجز النفسية ويؤثر على التماسك الاجتماعي.

على المستوى السياسي، تسهم بعض الخطابات في تعزيز هذا الانقسام من خلال التركيز على الهوية الطائفية كمعيار للحكم على الأفراد أو الجماعات. هذا الطرح، بحسب محللين، يضعف مفهوم المواطنة المتساوية، ويخلق شعوراً بالتهميش لدى بعض الفئات، ما ينعكس سلباً على الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

ورغم هذه التحديات، لا تزال هناك مؤشرات على صمود قيم التعايش في المدينة. فشريحة واسعة من السكان، خصوصاً من الأجيال التي عايشت فترات الاستقرار، ترفض هذا الخطاب وتتمسك بذكريات العيش المشترك. كما برزت مبادرات محلية تهدف إلى تعزيز الحوار بين مختلف المكونات، إلى جانب جهود بعض رجال الدين الذين يدعون إلى نبذ الكراهية والتأكيد على القيم المشتركة.

في مواجهة هذه الظاهرة، يشير مختصون إلى ضرورة تبني مقاربة شاملة، تبدأ بتفعيل القوانين التي تجرّم التحريض على الكراهية، مروراً بدور الإعلام في تعزيز خطاب جامع، وصولاً إلى دعم مبادرات المجتمع المدني التي تسعى إلى إعادة بناء الثقة بين أبناء المدينة.

تبقى حمص، التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، أمام اختبار جديد لا يقل أهمية: الحفاظ على نسيجها الاجتماعي من التآكل، واستعادة لغة التعايش التي شكّلت يوماً جزءاً من هويتها.

- Advertisement -

- Advertisement -