لكل السوريين

لبنان بين فكّ الارتباط واستعادة الدولة

لم يعد السؤال المطروح اليوم في لبنان يدور فقط حول الأزمة الاقتصادية أو الانهيار المالي أو حتى مستقبل النظام السياسي، بل بات أكثر عمقاً وحساسية: هل يستطيع لبنان الخروج تدريجياً من دائرة النفوذ الإيراني واستعادة قراره السيادي؟

هذا السؤال لم يعد مجرد مادة للنقاش الإعلامي أو السياسي، بل تحوّل إلى محور أساسي في المقاربات الإقليمية والدولية المتعلقة بمستقبل لبنان، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، وتبدّل أولويات القوى الكبرى والعربية تجاه الشرق الأوسط.

منذ عقود، تشكّل النفوذ الإيراني في لبنان عبر مسار متدرج ارتبط بصعود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية تجاوزت حدود العمل الحزبي التقليدي، لتصبح لاعباً مؤثراً في معادلة القرار الداخلي اللبناني. وقد عزز هذا الواقع حالة “الدولة المقيّدة”، حيث لم يعد القرار السيادي محصوراً بالمؤسسات الرسمية، بل أصبح موزعاً بين الدولة ومراكز قوة موازية تمتلك أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية خاصة بها.

لكن التطورات الأخيرة توحي بأن ثمة محاولة لإعادة فتح ملف السيادة اللبنانية من زاوية مختلفة؛ ليس عبر المواجهة المباشرة أو الصدام الداخلي، بل من خلال مشروع طويل الأمد يقوم على إعادة تقوية مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، باعتباره الجهة الوحيدة القادرة نظرياً على احتكار القوة وحماية الاستقرار.

وفي هذا السياق، يبرز الاهتمام الأميركي والعربي المتزايد بدعم المؤسسة العسكرية اللبنانية، ليس فقط كإجراء أمني، بل كجزء من رؤية سياسية أوسع تهدف إلى إعادة التوازن داخل الدولة اللبنانية. فالدول العربية، وعلى رأسها السعودية والإمارات، باتت تنظر إلى استقرار لبنان باعتباره مرتبطاً بمدى قدرة الدولة على تقليص نفوذ القوى المسلحة غير الرسمية، وإعادة إدماج البلاد ضمن محيطها العربي الطبيعي.

غير أن اختزال المشهد اللبناني في مجرد صراع نفوذ بين إيران والعرب يبقى تبسيطاً مخلّاً بحقيقة الأزمة. فلبنان يعاني أساساً من أزمة بنيوية داخلية، تتمثل في ضعف الدولة، وفساد الطبقة السياسية، والطبيعة الطائفية للنظام، وهي عوامل سمحت أصلاً بظهور مراكز قوة تتجاوز مؤسسات الدولة الرسمية.

ومن هنا، فإن أي حديث عن “الخروج من النفوذ الإيراني” لن يكون واقعياً ما لم يترافق مع مشروع داخلي حقيقي لإعادة بناء الدولة اللبنانية على أسس جديدة، تتجاوز المحاصصة والطائفية السياسية، وتعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة والمؤسسات.

كما أن مسألة سلاح حزب الله تبقى العقدة الأكثر تعقيداً في هذا الملف. فالحزب لا ينظر إلى سلاحه كأداة نفوذ داخلي فحسب، بل يعتبره جزءاً من معادلة ردع إقليمية مرتبطة بالصراع مع إسرائيل وبالتحالف الإستراتيجي مع إيران. وبالتالي، فإن أي محاولة لفرض تغيير جذري وسريع في هذه المعادلة قد تدفع لبنان نحو مزيد من الانقسام أو حتى الفوضى.

لهذا تبدو السيناريوهات الأكثر واقعية اليوم قائمة على فكرة “إعادة التوازن التدريجي” بدلاً من القطيعة الكاملة. أي بناء دولة أقوى ومؤسسات أكثر حضوراً، مقابل تراجع تدريجي لنفوذ القوى الموازية بفعل التحولات السياسية والاقتصادية والإقليمية، لا عبر المواجهة المباشرة.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن إيران نفسها تواجه ضغوطاً اقتصادية وسياسية متزايدة قد تؤثر على قدرتها في إدارة نفوذها الخارجي بنفس الزخم السابق، ما قد يفتح نافذة محدودة أمام لبنان لإعادة التموضع تدريجياً ضمن توازنات جديدة.

لكن نجاح هذا المسار يبقى مشروطاً بعدة عوامل أساسية: أولها وجود إرادة لبنانية داخلية حقيقية لإعادة بناء الدولة، وثانيها استمرار الدعم العربي والدولي للمؤسسات اللبنانية، وثالثها قدرة القوى السياسية على إنتاج تسوية جديدة تعيد تعريف مفهوم السيادة بعيداً عن منطق الغلبة أو الاصطفاف الإقليمي الحاد.

إن لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن يبقى ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ الخارجي والصراعات الإقليمية، وإما أن ينجح، ولو تدريجياً، في استعادة فكرة الدولة القادرة على اتخاذ قرارها الوطني المستقل.

وربما تكون الحقيقة الأهم أن استعادة السيادة لا تتحقق بالشعارات ولا بالمواقف الانفعالية، بل ببناء دولة قوية، عادلة، وقادرة على فرض سلطتها على الجميع دون استثناء. عندها فقط يمكن للبنان أن يخرج فعلاً من أي نفوذ خارجي، أياً كان مصدره، وأن يعود وطناً لا ساحة صراع.

- Advertisement -

- Advertisement -