أعلنت السلطة الانتقالية في سوريا، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، أول تعديل حكومي منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، في خطوة تعكس محاولة لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة وسط تصاعد الضغوط الاقتصادية وتزايد الانتقادات الشعبية لأداء الحكومة خلال المرحلة الانتقالية.
وجاءت التعديلات عبر مراسيم رئاسية صدرت ليل الأحد، وشملت عدداً من الوزارات والمناصب الإدارية الحساسة، في أول إعادة تشكيل جزئية للحكومة منذ بدء المرحلة الانتقالية التي حددها الإعلان الدستوري بخمس سنوات.
وتضمنت القرارات تعيين خالد زعرور وزيراً للإعلام خلفاً لحمزة مصطفى، الذي نُقل بدوره إلى وزارة الخارجية، بينما تولى باسل السويدان حقيبة الزراعة، إلى جانب استمراره في إدارة ملف التسويات مع رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق.
كما شملت التغييرات تعيين محافظين جدد لكل من حمص والقنيطرة ودير الزور، وهي محافظات ذات أهمية سياسية وأمنية واقتصادية، خصوصاً دير الزور التي تضم غالبية حقول النفط السورية وتشكل محوراً رئيسياً في حسابات السلطة الجديدة.
ورغم غياب توضيحات رسمية حول أسباب التعديل، فإن توقيته يعكس حجم التحديات التي تواجه الحكومة، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي، وضعف الخدمات، وارتفاع معدلات الاستياء الشعبي خلال الأشهر الأخيرة.
ومنذ سقوط نظام الأسد، علّقت شرائح واسعة من السوريين آمالاً على السلطة الجديدة لإحداث تحسن سريع في الأوضاع المعيشية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، إلا أن تعقيدات الواقع الاقتصادي، واستمرار العقوبات، وضعف الموارد، والانقسامات الداخلية، وضعت الحكومة أمام أزمات متراكمة منذ بداية المرحلة الانتقالية.
وخلال الأشهر الماضية، تصاعدت الانتقادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب احتجاجات محدودة شهدتها بعض المدن، حيث اتهم ناشطون الحكومة بالعجز عن تقديم حلول حقيقية للأزمات المرتبطة بارتفاع الأسعار، والطاقة، وفرص العمل، وتراجع الخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، ينظر كثيرون إلى التعديل الحكومي باعتباره محاولة من الرئيس أحمد الشرع لامتصاص الغضب الشعبي وإظهار وجود مراجعة داخلية لأداء المؤسسات التنفيذية، خاصة بعد اتساع دائرة الانتقادات الموجهة للحكومة.
ويرى محللون أن اختيار وزارة الإعلام ضمن أولى الوزارات التي شملها التعديل يحمل دلالات واضحة، في ظل اتهامات للحكومة بضعف خطابها الإعلامي وعدم قدرتها على إدارة التواصل مع الشارع، بالتزامن مع انتشار واسع للشائعات والتسريبات عبر المنصات الرقمية.
أما نقل حمزة مصطفى إلى وزارة الخارجية، فيُنظر إليه باعتباره محاولة للاستفادة من حضوره السياسي والإعلامي في إدارة العلاقات الخارجية، خصوصاً مع سعي دمشق إلى تعزيز انفتاحها الإقليمي والدولي والحصول على دعم اقتصادي وسياسي للمرحلة الانتقالية.
وفي الجانب الاقتصادي، يبرز تعيين باسل السويدان وزيراً للزراعة باعتباره مرتبطاً بملف إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال الذين ارتبطوا بالنظام السابق، في إطار مساعٍ لاستعادة جزء من الأموال والأصول الاقتصادية وإعادة هيكلة شبكات النفوذ القديمة.
كما تحمل التغييرات في مناصب المحافظين رسائل تتعلق بتعزيز القبضة الإدارية والأمنية في مناطق حساسة، إذ تمثل حمص عقدة جغرافية وسياسية مهمة، فيما تكتسب القنيطرة حساسية خاصة بسبب موقعها الحدودي، بينما تبقى دير الزور مركزاً للتنافس الاقتصادي والنفوذ الإقليمي بسبب ثروتها النفطية وتركيبتها العشائرية.
ولم تقتصر التعديلات على الوزارات والمحافظات، بل شملت أيضاً تعيين أمين عام جديد لرئاسة الجمهورية، بعد انتقادات طالت تعيين أحد أشقاء الرئيس أحمد الشرع في المنصب سابقاً، وسط اتهامات للسلطة بممارسة المحسوبية وإعادة إنتاج شبكات النفوذ التقليدية.
وتبقى قضية الشفافية والكفاءة من أبرز الملفات المطروحة في سوريا ما بعد الأسد، حيث تطالب قوى سياسية وناشطون ببناء مؤسسات تعتمد على الكفاءة بعيداً عن العلاقات العائلية والمحسوبيات التي ارتبطت لعقود بالنظام السابق.
في المقابل، يرى مؤيدون للحكومة أن التعديلات تمثل خطوة طبيعية في مسار إعادة بناء الدولة، وأن أي سلطة انتقالية تحتاج إلى وقت لإعادة تقييم الأداء وتصحيح الأخطاء، خاصة بعد سنوات طويلة من الانهيار السياسي والاقتصادي والأمني.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه التغييرات سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحقيق نتائج ملموسة في حياة السوريين، إذ لم يعد الشارع يكتفي بتغيير المسؤولين أو إعادة توزيع المناصب، بل ينتظر تحسناً فعلياً في الخدمات وفرص العمل والاستقرار الاقتصادي.
وفي ظل المرحلة الانتقالية الطويلة التي تعيشها البلاد، تبدو السلطة السورية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على تحويل هذه التعديلات إلى مسار إصلاحي أوسع يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويخفف من حدة الغضب الشعبي المتصاعد.