السوري ـ دمشق
في قلب دمشق القديمة، يواصل “سوق الخياطين” حضوره كواحد من أعرق الأسواق التي تختزن تاريخاً يمتد لقرون، محافظاً على دوره كمركز نابض بالحرفة والذاكرة، رغم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم من حوله.
ولا يقتصر دور السوق على كونه مكاناً لشراء مستلزمات الخياطة، بل يتعداه ليكون مساحة حية تتناقل فيها الأجيال خبرات المهنة. فبحسب روايات عدد من الزبائن، يشكل السوق بيئة تعليمية مفتوحة، حيث تحرص وردة طالب، العاملة في مجال الأزياء، على زيارته بشكل دائم لتأمين احتياجات الخياطة لابنتها، في محاولة لنقل مهارة ورثتها عن والدتها، معتبرة أن السوق يشكل خط الدفاع الأول عن بقاء هذه الحرفة.
من جهتها، ترى الخياطة سلوى محمد أن التجول بين محال السوق يمنحها فرصة للاطلاع على جوانب فنية متجددة في مهنة توارثتها العائلات جيلاً بعد جيل، في حين لا ينقطع حتى المتقاعدون عن زيارته، مثل الحاج راتب الخالدي، الذي يقصده بدافع الحنين واستعادة ذكريات طويلة ارتبطت بالمكان والمهنة.
ويقع السوق في موقع استراتيجي يربط بين سوق مدحت باشا وسوق الحرير، ما أكسبه أهمية تجارية مضاعفة عبر تاريخه. وقد شهد السوق بعض التعديلات العمرانية، أبرزها إضافة سقف معدني يوفّر الحماية للعاملين، مع الحفاظ على طابعه التقليدي الذي يميّزه.
وفي الماضي، احتضن السوق خانات لإقامة التجار القادمين من خارج المدينة، حيث كانت تُعقد الصفقات وتُبادل السلع، ما جعله مركزاً تجارياً إقليمياً بارزاً. ولا تزال ملامح هذه الحيوية قائمة حتى اليوم، مع استمرار توافد الزوار والتجار من مناطق مختلفة.
ورغم التحديات الاقتصادية وتغيّر أنماط الاستهلاك، يقف سوق الخياطين اليوم عند تقاطع الماضي والحاضر، محافظاً على توازنه بين الحرفة اليدوية الأصيلة ومتطلبات العصر. في تفاصيله اليومية، تنبض ذاكرة مدينة تعرف كيف تتجدد دون أن تفقد جذورها، لتبقى دمشق، بأسواقها العريقة، شاهداً على استمرارية التراث وقدرته على الصمود.