لكل السوريين

العزلة القسرية.. حكايات منسية لذوي الإعاقة في سوريا بين الألم والصمود

السوري ـ خاص

في شقة صغيرة بإحدى ضواحي دمشق، يجلس أحمد (17 عاماً) قرب النافذة، يراقب المارة بصمت. منذ إصابته بإعاقة حركية قبل ثلاث سنوات، لم يغادر منزله إلا مرات معدودة. لم يعد الشارع الذي كان يعرفه كما كان، ولم يعد هو قادراً على التكيف مع واقع يفتقر لأبسط مقومات الوصول.

تقول والدته: “أكبر ألم ليس في إعاقته، بل في وحدته… لم يعد لديه أصدقاء، ولا مكان يذهب إليه.”

قصة أحمد ليست استثناءً، بل تمثل واقع آلاف الأشخاص من ذوي الإعاقة في سوريا، حيث تحولت العزلة إلى جزء من حياتهم اليومية.

شهادات من داخل العزلة

في مدينة حمص، تروي سمر (28 عاماً)، وهي من ذوي الإعاقة السمعية، تجربتها مع الانقطاع الاجتماعي:

“حتى عندما أكون بين الناس، أشعر أنني وحدي. لا يوجد من يفهمني بسهولة، ولا توجد خدمات تساعدني على التواصل.”

أما خالد (35 عاماً)، الذي فقد بصره جزئياً، فيؤكد أن العزلة لا تأتي فقط من الإعاقة، بل من نظرة المجتمع أيضاً:

“أحياناً أشعر أن الناس يتجنبون التعامل معي، كأن إعاقتي حاجز لا يمكن تجاوزه.”

رأي مختصين.. آثار تتجاوز الظاهر

توضح الأخصائية النفسية (د. ليلى حسن) أن العزلة المفروضة على ذوي الإعاقة قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة:

“نلاحظ ارتفاعاً في حالات الاكتئاب والقلق، خاصة لدى الشباب. الشعور بالعجز يتضاعف عندما يُحرم الشخص من التفاعل الاجتماعي والدعم.”

وتضيف: “العزلة الطويلة قد تؤدي أيضاً إلى تراجع المهارات الاجتماعية، ما يجعل العودة إلى المجتمع أكثر صعوبة.”

من جانبه، يشير الأخصائي الاجتماعي (محمد العلي) إلى أن المشكلة بنيوية:

“البيئة غير المهيأة، وغياب السياسات الداعمة، كلها عوامل تكرّس العزلة. الأمر لا يتعلق بالفرد فقط، بل بنظام كامل يحتاج إلى إعادة نظر.”

واقع الخدمات: فجوة كبيرة بين الاحتياج والمتاح

رغم وجود بعض الجمعيات والمبادرات المحلية، إلا أن الخدمات المقدمة لذوي الإعاقة تبقى محدودة، خاصة في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية.

تقول إحدى العاملات في منظمة محلية (فضّلت عدم ذكر اسمها):

“نحاول تقديم دعم نفسي وتأهيلي، لكن الإمكانيات محدودة جداً مقارنة بعدد الحالات.”

وتضيف: “هناك نقص كبير في الكوادر المتخصصة، إضافة إلى ضعف التمويل.”

العزلة والتعليم.. جيل مهدد بالتهميش

في ريف حلب، لم يتمكن الطفل يزن (10 سنوات) من الالتحاق بالمدرسة بسبب إعاقته الحركية. تقول والدته:

“المدرسة بعيدة، ولا توجد وسيلة نقل مناسبة. حاولنا كثيراً، لكن دون جدوى.”

هذه الحالات تتكرر في مناطق عديدة، حيث يُحرم الأطفال ذوو الإعاقة من التعليم، ما يعمّق عزلتهم ويحد من فرصهم المستقبلية.

العمل… فرصة شبه غائبة

بالنسبة للبالغين، تبدو فرص العمل محدودة للغاية. يوضح خالد:”بحثت عن عمل كثيراً، لكن معظم الأماكن غير مهيأة، وأصحاب العمل مترددون في توظيفي.”

هذا الواقع يدفع العديد من ذوي الإعاقة إلى الاعتماد الكامل على أسرهم، ما يزيد من الضغوط الاقتصادية والنفسية.

خطوات صغيرة في طريق طويل

رغم التحديات، ظهرت بعض المبادرات التي تحاول كسر العزلة، مثل برامج الدعم النفسي، والتدريب المهني، والأنشطة المجتمعية.

تقول إحدى المتطوعات:

“عندما ننجح في دمج شخص واحد في نشاط اجتماعي، نشعر أننا أحدثنا فرقاً حقيقياً.”

ختاماً تكشف هذه الشهادات أن العزلة التي يعيشها ذوو الإعاقة في سوريا ليست مجرد نتيجة لظروف فردية، بل هي انعكاس لواقع اجتماعي وخدمي معقد. وبينما تتزايد التحديات، تبقى الحاجة ملحة إلى تدخلات شاملة تضمن لهذه الفئة حقها في الحياة الكريمة والمشاركة المجتمعية.

- Advertisement -

- Advertisement -