لكل السوريين

المرأة والسوشيال ميديا.. بين فرص التمكين وتحديات المقارنة

السوري ـ دمشق

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتسلية أو متابعة الأخبار، بل أصبحت فضاءً واسعاً يعيد تشكيل طريقة تفكير الأفراد ونمط حياتهم، وكانت المرأة من أكثر الفئات تأثراً بهذا التحول. فمع تصاعد حضورها الرقمي، انتقلت من دور المتلقية إلى موقع الفاعل والمؤثر، لتجد نفسها أمام واقع جديد يحمل في طياته فرصاً كبيرة، لكنه لا يخلو من التحديات.

في جانبها الإيجابي، منحت هذه المنصات النساء مساحة غير مسبوقة للتعبير عن الذات، ومشاركة التجارب، وإيصال الأصوات التي كانت مهمشة في السابق. كما ساعدت كثيرات على بناء مسارات مهنية مستقلة، سواء من خلال العمل الحر أو إطلاق مشاريع صغيرة، الأمر الذي عزز من حضور المرأة في مختلف المجالات وكسر الكثير من الصور النمطية المرتبطة بها.

تجربة (غالية 33 عام) تعكس هذا الجانب المشرق، إذ تقول إن دخولها إلى عالم السوشيال ميديا شكّل نقطة تحول في حياتها. فبعد أن كانت محصورة في إطار مسؤولياتها اليومية، وجدت في هذه المنصات مساحة لاكتشاف ذاتها والتعبير عن أفكارها. ومع الوقت، توسعت دائرة معارفها، وتعلمت مهارات جديدة، ما شجعها على بدء مشروعها الخاص من المنزل. وتؤكد أن الدعم الذي حظيت به كان دافعاً مهماً للاستمرار، معتبرة أن هذه التجربة منحتها ثقة واستقلالية لم تكن تتوقعها.

لكن الصورة ليست واحدة لدى الجميع. فبالنسبة للبعض، تحولت هذه المنصات إلى مصدر ضغط نفسي مستمر. “ربا عبد الرحمن”، وهي في الثلاثين من عمرها، تروي جانباً مختلفاً من التجربة، حيث بدأت رحلتها مع السوشيال ميديا بدافع التسلية، قبل أن تجد نفسها عالقة في دوامة من المقارنات اليومية. تقول إنها كانت تتابع حياة الآخرين وصورهم، ومع مرور الوقت بدأت تشعر بعدم الرضا عن حياتها، وكأنها أقل مما يجب.

وتوضح أن هذا الشعور تسلل إليها تدريجياً، حتى أثر على حالتها النفسية وعلاقتها بمحيطها، قبل أن تدرك أن ما يُعرض على هذه المنصات لا يعكس الواقع بالكامل. هذا الإدراك دفعها إلى إعادة تنظيم علاقتها مع السوشيال ميديا، وفرض حدود واضحة لاستخدامها، محاولةً استعادة توازنها النفسي وعدم ربط قيمتها بما تراه على الشاشة.

وبين هاتين التجربتين، تتجلى حقيقة أن تأثير وسائل التواصل ليس ثابتاً، بل يختلف باختلاف طريقة الاستخدام والوعي الفردي.

من جهتها، تشير الكاتبة والمحللة الدكتورة تمارا حداد جديد إلى أن هذه المنصات أحدثت تحولات عميقة في حياة المرأة، إذ وفرت أدوات للتعبير والتواصل وتبادل الخبرات، وأسهمت في إبراز قضايا كانت بعيدة عن الضوء، مثل العنف الأسري والصحة النفسية والتمييز المهني.

كما تؤكد أن السوشيال ميديا فتحت أبواباً اقتصادية جديدة، حيث تمكنت العديد من النساء من تحقيق استقلال مالي عبر مشاريعهن الخاصة، ما عزز من دورهن داخل المجتمع.

في المقابل، تحذر حداد من الجانب الآخر لهذه المنصات، والمتمثل في تكريس صور مثالية غير واقعية، سواء من حيث الشكل أو نمط الحياة، نتيجة الانتشار الواسع للصور المعدلة والمحتوى المنتقى بعناية. وترى أن هذا الأمر يدفع الكثير من الفتيات إلى الدخول في مقارنات مستمرة قد تؤثر سلباً على تقدير الذات وتزيد من مشاعر القلق وعدم الرضا.

وتضيف أن هذه المقارنات غالباً ما تكون غير منصفة، لأنها تعتمد على صورة جزئية من حياة الآخرين، يتم إبراز أفضل ما فيها فقط، وهو ما يخلق فجوة بين الواقع والتوقعات.

في المحصلة، تبدو وسائل التواصل الاجتماعي كأداة مزدوجة التأثير في حياة المرأة؛ فهي تفتح آفاقاً واسعة للتمكين والتعبير، لكنها في الوقت ذاته قد تفرض ضغوطاً نفسية ومعايير قاسية. ويبقى العامل الحاسم هو وعي المستخدمات بكيفية التعامل مع هذه المنصات، إلى جانب مسؤولية المجتمع وصناع المحتوى في تقديم صورة أكثر واقعية وتوازناً.

- Advertisement -

- Advertisement -