عاد الملف السوري ليتصدر جدول أعمال مجلس الأمن الدولي، في ظل تصاعد التوترات الميدانية واستمرار التباينات الإقليمية والدولية حول مستقبل الجنوب السوري، ما يضع المجلس أمام تحدٍ متجدد يتمثل في احتواء التصعيد ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع.
تأتي هذه التطورات في لحظة إقليمية حساسة، تشهد إعادة تشكيل لموازين القوى بعد سنوات من الصراع، في وقت لا تزال فيه التسوية السياسية الشاملة غائبة، ما يبقي الاستقرار هشاً وقابلاً للاهتزاز.
وخلال جلسة للمجلس، شددت تركيا على ضرورة التحرك السريع لضبط التوتر، مؤكدة أهمية احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها. وفي هذا السياق، أشار مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة أحمد يلديز إلى أن الجهود المبذولة ساهمت في الحد من انتقال تداعيات التصعيد الإقليمي إلى الداخل السوري، رغم استمرار التحديات الأمنية في بعض المناطق.
ويعكس الموقف التركي توجهاً نحو تعزيز التنسيق الدولي كمدخل أساسي لتفادي تفاقم الأزمة، حيث دعت أنقرة إلى تعاون وثيق بين مختلف الأطراف، محذّرة من أن غياب هذا التنسيق قد يعيد إنتاج دوائر العنف.
كما دعت تركيا إسرائيل إلى الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها داخل الأراضي السورية، مشددة على ضرورة الالتزام باتفاق فصل القوات لعام 1974، باعتباره الإطار القانوني المنظم للوضع في الجولان والمنطقة العازلة، وأحد الركائز الأساسية للحفاظ على الاستقرار في الجنوب السوري.
وتأتي هذه الدعوة في ظل تحولات ميدانية بارزة منذ أواخر عام 2024، حين أعلنت إسرائيل انهيار اتفاق فصل القوات، وسيطرت على المنطقة العازلة، ما شكّل نقطة تحول في طبيعة التوتر الحدودي، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد العسكري.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت وتيرة الضربات الجوية داخل الأراضي السورية، مستهدفة مواقع عسكرية وبنى تحتية، في حين تؤكد إسرائيل أن هذه العمليات تندرج ضمن إطار منع التهديدات الأمنية، وهو تبرير يواجه انتقادات متزايدة على الساحة الدولية بسبب تداعياته على استقرار المنطقة.
في المقابل، تبرز مقاربة تركية ترى أن الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار داخل سوريا يشكل ضرورة إقليمية، ليس فقط لتجنب اتساع رقعة الصراع، بل أيضاً للحد من تداعيات الفوضى التي قد تتجاوز الحدود السورية.
ورغم هذه الدعوات، يبقى مجلس الأمن مقيداً بتباين مواقف أعضائه، ما يحدّ من قدرته على اتخاذ خطوات حاسمة أو فرض آليات تنفيذية فعالة لاحتواء التصعيد. ويعكس هذا الانقسام عمق التعقيدات المرتبطة بالملف السوري، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية.
كما أن استمرار التوترات الميدانية، خصوصاً في الجنوب السوري، يجعل من الصعب تثبيت أي تهدئة مستدامة دون معالجة جذور الأزمة، وعلى رأسها غياب حل سياسي شامل، واستمرار العمليات العسكرية المتقطعة.
وفي ظل هذه المعطيات، يجد مجلس الأمن نفسه أمام معادلة دقيقة: الحاجة الملحة لمنع توسع المواجهة إقليمياً، مقابل محدودية الأدوات المتاحة في ظل الانقسام الدولي.
وبين الدعوات إلى احترام الاتفاقيات الدولية، والمطالب بإنهاء الوجود العسكري في بعض المناطق، واستمرار العمليات على الأرض، يبقى مستقبل التهدئة في سوريا رهناً بقدرة المجتمع الدولي على ترجمة مواقفه إلى خطوات عملية.
وحتى ذلك الحين، يظل الملف السوري أحد أكثر القضايا تعقيداً على أجندة مجلس الأمن، في ظل مشهد مفتوح على احتمالات متعددة، تتراوح بين احتواء مؤقت للتوتر وتصعيد قد يعيد خلط الأوراق في المنطقة.