في مشهد يومي يتكرر بلا انقطاع، تصطف طوابير طويلة من الفلسطينيين في قطاع غزة أمام المخابز، منتظرين لساعات من أجل الحصول على كميات محدودة من الخبز، الذي بات يشكّل الغذاء الأساسي شبه الوحيد لعائلات أنهكها النزوح والفقر وتداعيات الحرب.
هذه الطوابير لا تعكس فقط أزمة غذاء، بل تختصر واقعًا إنسانيًا متدهورًا، يقترب بشكل متسارع من حافة المجاعة، في ظل نقص حاد في المواد الأساسية وتراجع الإمدادات الإنسانية.
نقص الدقيق يفاقم الأزمة
خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت أزمة الخبز بشكل غير مسبوق نتيجة الانخفاض الكبير في كميات الدقيق الداخلة إلى القطاع. ويُعزى ذلك إلى القيود المفروضة على المعابر، ما أدى إلى تراجع إنتاج الخبز بشكل حاد، وإجبار المخابز على تقليص ساعات عملها أو التوقف الكامل.
كما ساهم شح الوقود اللازم لتشغيل الأفران في تعميق الأزمة، حيث أصبحت القدرة الإنتاجية للمخابز محدودة للغاية، ولا تلبي سوى جزء بسيط من احتياجات السكان.
تراجع الدعم الإنساني
زاد الوضع تعقيدًا مع تراجع دعم المؤسسات الدولية. فقد أوقف المطبخ المركزي العالمي إمداداته من الدقيق، بعد أن كان يوفر ما بين 20 و30 طنًا يوميًا.
كما خفّض برنامج الأغذية العالمي كميات الدقيق التي يقدّمها من نحو 300 طن إلى 200 طن يوميًا، إلى جانب توقف جهات أخرى عن تقديم الدعم.
هذا التراجع المفاجئ في المساعدات انعكس مباشرة على توفر الخبز، ورفع من حدة الأزمة الغذائية في القطاع.
ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية
بالتوازي مع نقص الإمدادات، شهدت أسعار المواد الأساسية ارتفاعًا ملحوظًا. فقد ارتفع سعر كيس الدقيق (25 كغ) إلى نحو 75 شيكلًا، بعد أن كان يتراوح بين 30 و50 شيكلًا.
كما باتت ربطة الخبز غير المدعوم تُباع بأسعار تتراوح بين 8 و10 شواكل، مقارنة بنحو 3 شواكل للخبز المدعوم، ما يجعل الحصول عليه أمرًا صعبًا لكثير من العائلات التي فقدت مصادر دخلها.
تحذيرات أممية من تفاقم الوضع
في تقرير صدر في 10 أبريل، وصف مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية الأوضاع المعيشية في غزة بأنها “مزرية”، مشيرًا إلى أن معظم السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية.
ووفق بيانات برنامج الأغذية العالمي، فإن نحو 1.6 مليون شخص، أي ما يقارب 77% من سكان القطاع، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم أكثر من 100 ألف طفل وعشرات آلاف النساء الحوامل والمرضعات.
معاناة يومية تحت وطأة الجوع
يروي النازح إبراهيم قنديل، الذي غادر حي الزيتون إلى غرب مدينة غزة، تفاصيل يومه الذي يبدأ برحلة طويلة بحثًا عن الخبز.
يقول إنه ينتظر لساعات ليحصل على ربطة خبز واحدة لا تكفي أسرته المكونة من تسعة أفراد، مشيرًا إلى عجزه عن شراء المزيد بسبب ارتفاع الأسعار ومحدودية الكميات المتاحة.
ويضيف: “الجوع أصبح أقسى من الحرب… ما نعيشه اليوم كارثة بكل معنى الكلمة”، في وصف يلخّص حجم المعاناة اليومية التي يعيشها آلاف النازحين.
أرقام تعكس عمق الأزمة
تشير التقديرات إلى أن حاجة القطاع اليومية من الدقيق تصل إلى نحو 450 طنًا، في حين لا تتجاوز الكميات المتوفرة 200 طن، ما أدى إلى تراجع إنتاج الخبز بشكل كبير.
وبحسب معطيات رسمية، يعمل حاليًا نحو 30 مخبزًا فقط، تنتج قرابة 133 ألف ربطة خبز يوميًا، منها جزء يُوزع مجانًا، بينما يُباع الباقي بأسعار مدعومة عبر نقاط محددة.
ورغم هذه الجهود، تبقى الكميات غير كافية لتلبية احتياجات السكان، في ظل استمرار تراجع الإمدادات.
خطر الانهيار الغذائي
يحذر مسؤولون محليون من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى انهيار ما تبقى من منظومة توفير الخبز، خاصة مع انخفاض تدفق المساعدات وعدم الالتزام بإدخال الكميات المتفق عليها من الشاحنات الإنسانية.
ورغم اتفاقات سابقة نصّت على إدخال مئات الشاحنات يوميًا، إلا أن الكميات الفعلية لا تزال أقل بكثير من الاحتياجات، ما يضع القطاع أمام خطر حقيقي يتمثل في تفاقم المجاعة.
تكشف أزمة الخبز في قطاع غزة عن واقع إنساني بالغ الخطورة، حيث لم يعد الغذاء متاحًا بشكل كافٍ، وأصبح الحصول على أبسط مقومات الحياة معركة يومية.
وبين طوابير الانتظار وتراجع الإمدادات، يقف سكان غزة أمام اختبار قاسٍ، تتداخل فيه السياسة بالإنسانية، فيما تبقى الحاجة ملحّة لتحرك عاجل يضمن الحد الأدنى من الأمن الغذائي، ويمنع انزلاق القطاع نحو مجاعة شاملة.